الدنيا في سنوات الشباب صداع ودوشَة؛ دراسة، وظيفة، زواج، أطفال، التزامات، الكلّ يريد أن يأكل من جهدكَ نتفة. سرعة سرعة ومع ذلك لا تستطيع اللحاق.
لا أدري كم مرة وقعتُ على وجهي وأكلتُ صفعةً قوية على قفاي بسبب العجلة! الآن بعد أن كبرت فهمت الفرقَ بين الجسارة والعجلة، بين التسرع والإقدام. أكاد أجزم أن أي إنسان لو استطاع السفر في الزمن وعاد إلى الوراء لندم على كثيرٍ من الأمور السيئة التي كانت العجلة سببًا فيها. في سنوات الشباب مثل الكثيرين، نفذ ثمّ فكر في العاقبة! عقلي يكفي، لا داعي للمشورة! لم أستيقظ إلا بعد فوات كثير من الفرص!
اتخاذ القرارات عملية تنظيمية ديناميكية معقدة. اتخاذ القرار، الذي يسبق مرحلة التنفيذ، هو عملية ذهنية تتأثر بافتراضات وقيم ومبادئ ومعتقدات صانع القرار نفسه. سلسلة من الخطوات المنهجية التي تهدف إلى دراسة المشكلة وفحصها بشكل مباشر، وفي النهاية الوصول إلى قرار يتضمن إيجابياتها وسلبيّاتها.
تذكر أحد الدراسات التي شملت 92 مشاركًا تتراوح أعمارهم بين 12 و42 عامًا، أن البالغين يتخذون قراراتٍ أفضل من المراهقين. ووفقًا للدراسة المنشورة في مجلة PLOS Biology، فإن ما يُسمى "التشويش" في عملية صنع القرار - أي اتخاذ خياراتٍ ليست الأكثر كفاءة - يتناقص مع التقدم في السنّ، ويرتبط بتطور مهاراتٍ مثل المرونة والتخطيط.
{حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحاً تَرْضَٰهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ}. يبدو أن بلوغ الأربعين ملازم عادة لكمال العقل. المدة التي يقوى فيها الجسد، ويكمل العقل.
Haste makes waste حكمة غربيّة توافيها حكمة عربية "في العجلة الندامة وفي التأني السلامة". العجلة تحرم الإنسان من التفكير المتأني الذي يحدد له حسابات الحاضر والمستقبل ومعرفة السلبيات والإيجابيات.
العجلة عدو كبير. يروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "إنما أهلك الناسَ العجلة، ولو أن الناس تثبتوا لم يهلك أحد". تعال سيدي الكريم وسيدتي الكريمة وانظر كيف أهلكتنا العجلة؛ في الطريق، في العمل، في البيت، ترى أثرًا سيئا للعجلة وكأننا في سباق خاسر مع الزمن! نعم للعجلة في الخير وما عدا ذلك فلا!
"من استعجل شيئًا قبل أوانه عُوقب بحرمانه". واحد، اثنان، ثلاثة، ثوان معدودات يمكن أن يكون فيها الفرق بين الربح والخسارة. ثوان تعطي الفكر والجسد استعدادًا وتنسيقًا أكثر. ثوان يحتاجها المتسابق، كذلك أنا وأنت نحتاجها.
{وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ}، ناظرة أي منتظرة. تقول لا داعي للعجلة، آخذ الأمور بطريقة هادئة ومنظمة لكي تتجلى الصورة. انظر - القارئ الكريم والقارئة - عظمة الفائدة التي جنتها من انتظارها في حكايتها مع النبي سليمان عليه السلام كما رواها القرآن الكريم في سورة النمل.



