أظنّ حتى أنت القارئ الكريم والقارئة الكريمة في رأسك ذكريات عن حارةٍ وزقاق قديم وأصدقاء، إن كنت من الجيل القديم. ذكريات محفورة من صخور الطين على حيطان البيت القديم.
يوم الثلاثاء، ١٤ تشرين أول/ أكتوبر، كنت في زيارة لأحد بلدات القطيف التي لم يزل يوجد فيها أزقة ودروب ضيقة. ضيقة جدًّا، أقل من مترٍ واحد، بالكاد مررت منها. البيوت على جانبي الزقاق صغيرة ودون سور خارجي. دروب متشعبة ومتفرعة حتى أنني عندما خرجت من المكان ضللتُ طريق العودة حيث ركنت السيارة ما اضطرني للاستعانة بالهاتف. شبكة من الطرق الآمنة المظللة من وهج الشمس، الجار يعرف جاره والجارة تعرف جارتها والطفل آمن!
البلدة التي زرتها تغير الطريق الرئيس المؤدي لها من مدينة القطيف. بعدما كان ضيقًا أصبح واسعًا منظمًا وأقصر. القطيف مدينة كبيرة وبعد انتهاء شبكة الطرق الجديدة حتمًا سوف تسهل فيها الحركة والتنقل.
المعالم القديمة كانت جميلة حين كانت الحياة هادئة والدور بسيطة جدًّا. الطرقات والمباني ليست أشياء ميتة إنما تتغير وتتبدل كيف ما تغيرت معيشة الناس وطرق الحياة والمواصلات. رحم الله جارنا الذي كان يحمل على كتفه كيس الأرز والسكر من السوق إلى بيوت الناس بالأجرة لأن الطرق ضيقة، ثم بعد ذلك اتسعت الشوارع لتكفي لمرور عربة يجرها حمار. الآن كل بيت فيه عدة سيارات كلهم يريد أن يقف قريباً من البيت.
في زماننا هذا، نفضل الدور الواسعة المريحة. دور أكثر حداثة وتنظيمًا ورفاهية من البيوت القديمة. البيوت القديمة قد يسكنها عشرون شخصًا على صغر مساحتها، وقلة منافعها. يسكنها عدة عوائل مركبة مقارنة بعائلة واحدة في العصر الحاضر من عدة أفراد.
في ظني أنّ الحارات الضيقة في مناطق القطيف كانت أيضًا حالة اجتماعية؛ توفر ملاذًا لربات البيوت. أبهج أشكال المتعة عندهن أن يلتقين ويدخنّ التبغ وأحيانًا يتحاربنَ بالكلمات، وإلى حدٍّ ما كنّ ينقلن الأخبار وأحاديث الهمس أو الإشاعات. تغيرت طبيعة الحياة، المرأة الآن تعمل ولا وقت لذلك النوع من العلاقات.
بين الأمس واليوم، تاريخ لا ينتهي، يتجاذب الإنسان ويفرض عليه طريقة عيش تضمن ديمومته وخلوده. الحارات القديمة في القطيف شاهد حيّ على تاريخ مضى. حارات تمزج بين إرث الماضي وجمال الحاضر. هل من الممكن أن تعاد الحياة إلى بعضها في صورة جديدة في توأمة بين ماضٍ وحاضر؟
بعض المشاهد، مثل الحارات المهجورة، تحفز ذكريات من عاش الماضي والحاضر وتنشطهَا. تجعلك تشطّ بعيدًا في الذاكرة؛ أهل فعلًا عاش ناسٌ هنا؟ كيف ركض العمر بي سريعًا ووصلتُ إلى هنا؟ ألفُ سؤال يخرج من قبر الماضي يطرق ذاكرتك، يجعلكَ تصرخ متألمًا، أين؟ متى؟ وكيف؟ ثم لا يسعك إلا أن تتذكر ما قاله الشاعر العربي طرفة بن العبد:
لِخَولَةَ أَطلالٌ بِبُرقَةِ ثَهمَدِ * تَلوحُ كَباقي الوَشمِ في ظاهِرِ اليَدِ
وُقوفاً بِها صَحبي عَلَيَّ مَطيَّهُم * يَقولونَ لا تَهلِك أَسىً وَتَجَلَّدِ



