12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

دهشة… بذرة

كانت البذرة صغيرة، ساكنة في هدوء عميق، تضجّ في باطنها بسرٍّ خفي. في داخلها وعدٌ مؤجلٌ بالحياة، تنتظر فرصتها كما تنتظر الأرواح نفخة الخلق الأولى. لم تعرف الأرض بعد، ولم تذق طعم ماء المطر، لكنها كانت تشعر بأن شيئًا من الضوء يسكن قلبها، وأن السماء تراقبها بعينٍ حنونة. هناك، في صمتها الطويل، كانت تسبّح الله، تترقب الإذن بالتكامل.

وحين مدّ الإنسان يده وغرسها في التراب، ارتجفت اليد نفسها، وتمتم الزارع كمن يهمس للسرّ: “أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون؟” ارتعشت البذرة، كأنها سقطت من سماء إلى أرض. فجأة، لفّها الظلام، تبعته حرارة الأرض، وانقطع عنها الهواء، وغابت عنها السماء التي كانت تحدق فيها. في العتمة، صاغت سؤالًا موجعًا: “أأنا أُدفن أم أُولد؟ أنتهي أم أبدأ؟” لم تجد جوابًا سوى نبضٍ خفيّ يتردّد فيها: “اصبري… ففي جوف كل فناء حياةٌ كامنة.”

مرّت الأيام، وبدأ الصمت يتكلم. من أعماقها امتدت خيوط رقيقة، كأصابع تبحث عن حضن رحيم. الجذور تشقّ الأرض، تمشي في الظلمة نحو الماء، نحو الحياة. الأرض بدت كأمّ ترضعها من لبنها الرقراق، تمنحها غذاءً وصبرًا، حتى بدأت النواة تتصدّع. لم يكن التصدع ألمًا، بل فرجًا؛ كأن لطف الله تجلّى في لحظة الانشقاق.

ثم خرج خيط أخضر هشّ، مفعم بالعزم، يشقّ التراب متجهًا للأعلى. لم يكن يعرف إلى أين، لكنه كان يسمع نداءً داخليًا: “اصعد، اصعد إلى النور.” كان صعودًا خاشعًا صامتًا، عبورًا من الخفاء الأرضي إلى الظهور السماوي. هناك، أدركت البذرة أن الظلمة لم تكن سجنًا، بل رحمٌ يُنضجها، وأن كل انبعاثٍ لا يتمّ إلا بعد دفنٍ رحيم.

مع تفتح الأوراق، كانت تتذكر الليالي المظلمة، وكل نسمةٍ تلامسها وكأنها لمسة امتنان من السماء. فهمت حينها أن التراب لم يكن قبرًا، بل أصبح سلمًا إلى النور، وأن الحياة لا تنمو من الضوء وحده، بل من الظلمة التي تحتضن الروح. الجذر المنحني في عمق الأرض هو ما يمنح الشجرة توازنها أمام العواصف.

وعندما اكتملت، وغدت شجرةً وارفة، رفعت أغصانها نحو السماء شكرا وحمدا، وهمست: “ما كنتُ سوى سر دفنه الله، ليكتمل خلقي في أجمل صورة.” هكذا اكتشفت دهشتها الأبدية: كل دفنٍ ولادة، وكل خفاءٍ ظهور، والطريق إلى النور يبدأ دائمًا من أعماق الأرض.


error: المحتوي محمي