الأخلاق مرآةُ الإنسان، تُظهر معدنه الحقيقيّ، وتكشف عن عمق تربيته ونقاء سريرته.
فهي ليست مظهرًا اجتماعيًا فحسب، بل عبادةٌ وسلوكٌ يُعبّر عن التزام الإنسان بدينه وتمسكه بتعاليمه.
وفي زمانٍ باتت فيه المظاهر تغلب الجوهر، أصبح التمسّك بالأخلاق الإسلامية الأصيلة عنوانَ رُقي، ودليلاً على صدق الإيمان.
في مناسبة زواج أحد الأقارب، التقيتُ بمجموعةٍ من الصديقات والمعارف والجيران.
منهن من تربطني بهن صلة قرابة، ومنهن من لا ألتقي بهن إلا صدفة، وأخرياتٍ لا أعرف عنهن سوى أسمائهن.
ففي المناسبات الآن، بما فيها من لقاءٍ وتجمّع، تُظهر معادن الناس على حقيقتها، وخصوصاً في التفاصيل الصغيرة التي تبدو عابرة ولكنها تكشف الكثير…
ومن تلك المواقف، ما رأيته في فقرة «البوفيه» — حيثُ تجتمع الأنظار وتتجلّى الطباع.
لفت انتباهي تصرّف إحدى الحاضرات، إذ ملأت صحنها بأنواعٍ شتّى من الأطعمة والحلويات، ثم لم تأكل منها إلا القليل، وتركت الباقي وذهبت كأنّها لم تشتهِ شيئًا.
وأخرى جاءت مجهّزةً بصحون بلاستيكية وأكياسٍ «سَفري»، تعبّئ منها ما لذّ وطاب من الطعام والحلوى والفواكه، بل كانت تُشجَّع من بعض الحاضرات على ألّا تترك شيئًا خلفها!
ولم يتوقف العجب هنا، بل رأيت من تتناول ما على الطاولات من حلوى أو «بتي فور» أو حتى عُلب ماء ومناديل، من دون استئذان أهل المناسبة.
ويا للعجب! فهذه التصرفات لم تصدر من أناسٍ محتاجين أو بسطاء الحال، بل من عوائل معروفة بالاحترام والوجاهة.
إنّ المؤلم في الأمر أنّ بعض هؤلاء ممّن يُعرفون بالتديّن والمعرفة الدينية! فكيف يجتمع الإيمان وسوء الأدب؟! وكيف يُقرَن الحضور في المساجد ومجالس الذكر مع هذه التصرفات المخالفة لأبسط تعاليم الإسلام؟
يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: «يا أبا ذرّ، لا يزال العبد يزداد من الله بُعدًا ما ساء خُلقه» (الكافي، ج2، ص322).
فالأخلاق ليست مظهرًا اجتماعيًا، بل هي معيار القرب من الله تعالى، وهي التي تُهذّب باطن الإنسان فتُصلح ظاهره. ومن تحلّى بأخلاق رسول الله ص لا يمكن أن يمد يده لما لا يخصّه، أو يُسيء في تصرفه، أو يترك انطباعًا يدلّ على «قلّة الذوق».
إنّ المسلم الحقيقيّ لا تُحرّكه الشهوة ولا يجرّه الطمع، بل يرفع نفسه عن الدنايا، ويعلم أنّ الله تعالى مطّلعٌ عليه في كلّ حين.
فإن احتاج شيئًا، فالباب إلى الكرامة مفتوح: بالكلمة الطيبة، وبالاستئذان من أصحاب المناسبة، لا بالتصرف الخفيّ المعيب.
إنّ ما نراه من تصرفاتٍ في بعض المناسبات لا يُعبّر إلا عن خللٍ في فهم الدين قبل أن يكون خللاً في السلوك فالله عزّ وجلّ لم يضع الأخلاق عبثًا، بل جعلها نظامًا للحياة، تُنظّم العلاقات وتُشيع روح الاحترام بين الآخرين، وتجعل المجتمع أكثر صفاءً.
ولا يحتاج المرء إلى حضور دوراتٍ في فنون التعامل ما دام بين يديه كتاب الله وسُنّة رسوله وأقوال العترة الطاهرة، ففيها كلّ آداب المعاشرة ولباقة السلوك.
فلنكن زينة للإسلام لا شينًا عليه ولنُظهر في تصرفاتنا جمال ديننا، فمن تمسّك بأخلاق محمدٍ وآل محمد، لم يحتج إلى قانونٍ يردعه ولا إلى ناصحٍ يذكّره.
فنحن أتباع النبي محمد ص وكلنا فخر أن نكون ممن يتبع كل ماجاء به نبينا الأكرم.
فلندخل السرور على قلب نبينا صل الله عليه وآله بالتحلي والتزين بأخلاقه.
نسأل الله أن يُزيّننا بزينة الأخلاق، وأن يجعلنا ممّن إذا حضروا نفعوا، وإذا غابوا دُعوا، وإذا ذُكروا ذُكر الخير معهم.



