حين نرفع رؤوسنا إلى السماء، نرى كونًا لا يهدأ, فهو في حركة دؤوبة بانتظام دقيق. الأرض والقمر في دوران مستمر، (والشمس تجري لمستقر لها)، اما المجرة فتسبح في فضاء لا يتسع له الخيال. ربما السؤال الذي يتردد صداه في صدر القارئ الآن هو هل ان الكون نفسه يدور؟ ام ان الفراغ ساكنٌ حقًا؟ لنتفق على أن لا شيء في هذا الوجود هادئ. فالفضاء ليس فراغًا جامدًا بلا روح، بل انه نسيجٌ حيّ يتمدد ويتحرك (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ)، تتداخل فيه الموجة مع الجاذبية ويصطدم الضوء بالصوت وتتصارع الحقول مع المجالات ويغزل المكان عشه في قلب الزمان، عندها ستقتنع بحقيقة ان الفضاء المحتوي على العدم والمملوء باللاشيء هو نفسه ومن داخل اعماقه يتنفس وينبض بالطاعة لله سبحانه (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ), إذا فالحركة الكونية هي خاصية متاصلة في الوجود ومن صميم ذاته وكينونته.
الأرض والشمس والقمر (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) , يقرون له بالوحدانية ويشكرونه على تثبيتهم في مداراتهم بطريقة تتلائم وتكاملهم الجوهري حتى وان لم يفطن لذلك بنو البشر (وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ).
وحين نقترب من التفاصيل الدقيقة، نجد تكرر الصورة ذاتها في عوالم اخرى موازية. فقطرة المطر (وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ) تنزل من كبد السماء ، لا تختار طريقا مستقيمًا جامدًا، بل انها تدور حول نفسها وهي تهوي فزعة مرعوبة ، بحثا عن توازنها في الهواء. وفي لحظة ملامستها للأرض، تتفتت وتعيد تخلق كرات متدحرجة صغيرة على السطح، كأنها تحاكي نشأة الكواكب في عالم الزمكان. أما بلورة الثلج، فهي الأدهى؛ اذ تتكامل في هندسةٍ سداسية دقيقة، ثم تهبط باهتزاز، تدور حول محورها بخشوع منظمٍ يليق بمخلوقٍ عرف مبدعه بالفطرة فسبح بحمده.
ماذا عن الإلكترون المتترس على سور الذرّة الخارجي، أتظنه خاملا؟ كلا, إنه يتمتم بخفاء، لا يملّ ولا يتعب, يدور حول نفسه مقلدا الأرض, ويطوف بنواته مقتديا بالقمر. ديناميكية الدوران الشاملة في الكون، من أصغر ذرّة إلى أعظم مجرة، هي بمثابة عبادة كونية للخالق سبحانه وتعالى ندركها بعين البصيرة (كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ).
هل تصدق بأن الماء يترقرق على سطح الأرض وهو متحرر من قيود التيار الجامد؟ بل ان مكوناته تدور حول نفسها وتترابط وتنفصل بشكل مستمر بفعل الحرارة والجاذبية والاحتكاك مع السطح ومع مكونات الهواء. هذه الحركة الداخلية الدقيقة تسمح لجزيئاته بالانسياب بسلاسة، وله بحمل العناصر من املاح ومعادن ريثما يختزن الحرارة والطاقة في وعيه (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا). وبنظرة اشمل، ان كل قطرة ماء في مجرى النهر هي نسخة مصغرة لحركة الكون, جزيئات تدور، تتحرك، تتفاعل، وكل ذلك بطريقة تحافظ على التوازن البيئي وتسمح للحياة بالاستمرار.
ولعل أعظم ما نتعلمه من مشهد دوران الكون، أن طاعة الله سبحانه وتعالى ليست حكرا على صلاتنا وصيامنا، بل ان بصماتها واضحة في انسجام جميع أجزاء الكون واذعانها لسنن الله. فكما تسبح الأرض في مدارها دون انحراف، كذلك ينبغي ان لا ينحرف قلب المؤمن عن ربه, لاسيما وهو يطلب العون بقوله (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ).
اضحى الكون كله في صلاةٍ مستمرة، ونحن جزءٌ من هذا السجود العظيم. كل شيء يدور لأنه حيّ يتلقى الفيوضات من الله ببركات محمد وال محمد صلوات الله عليهم اجمعين، وكل دوران هو تقديس خفيّ، لا تراه العيون بل تدركه الأرواح. الفضاء لا يسكن، والقطرة لا تسقط عبثًا، والثلج لا يهبط بلا تسبيح. إنها سنة تكوينية بلغة كونية (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).



