تتصدّر قصيدةُ أحمد شوقي (قُم لِلمُعَلِّمِ) جميع ما سُطّر في شأن المعلم تألّقا وجمالا، ومن يُضاهي نظم شوقي وهو يقول:
أعلمتَ أشرف أو أجلَّ من الذي
يبني وينشئ أنفساً وعقولا ؟
يستهويني التّأمّل في قصيدة أحمد شوقي التي أنشدها في تكريم أستاذه الشيخ علي بك المرصفي؛ وكأني أتأمّل روضة من رياض الشعر البديع ، أقْرَأُها مرات ومرات حتّى بتُّ أشعرُ بالفخر والاعتزاز بها ، ويهربُ عن ناظري أيّ بيتٍ شعريّ نُظم في حق المعلم .
وعبثا حاولت البحث عن أجمل القصائد التي نُظمت في حقّ المعلم فأعود أدراجي مُجدّدا لها وكأنّني أقْرَأُها لأول مرة ، إنّها تصرّ، تعصفُ، و تلحُّ بالحضور في وجهي مثل مرآة صافية تهديني تقاسيم لم أرها من قبل !
هي بلا شك تقاسيم المعلّم الذي يعلّم النّاس الخير.
هذا المعلم الذي يجود بوقته، بجهده، بأعصابه، فيجلد نفسه حتّى يصل لراحة ضميره ، ويوقع حضورًا مهيبًا في بيوت لم يرها ولم تطأ قدماه أبوابها ، يحضر في جميع منازل طلابه بشرحه الغزير لمادته، بخلقه الكريم مع طلابه ، بسعة صدره، فتتداول المنازل اسمه ويتلهف الجميع لرؤيته.
وتمرّ الأيام وتبقى مفاتيح العلم في جيبه فيقترضُ من الأيام أيامًا، ومن السنين سنوات ومازال يوظّف كلّ طاقاته فيتجلّى حبّه وعطاؤه المهنيّ دون مُنازع .
إنّه المصباح المنير يُضيء مثل شمس تُعلن تباشير قدوم الصباح إلّا أن شمس السماء تخجل من إشراقته عندما تراه محاطًا بأعوام طويلة ومازال صامدًا فتشدّ على يديه قائلة : لا فضّ فوك!
لله درّك يا شوقي! ما هذا الجمال الصّارخ في قصيدتك ماتلك الكلمات الرائعة التي جادت بها قريحتك فأثنتني عمّا سواها؟!
أكاد أعشقُ نفسي كمعلّمة وأنا بين يديّ هذه القصيدة !
هذه القصيدة حُفرت في عقلي بإزميل فجسّدت تمثالا يختلف عن تلك التماثيل المنصوبة، و التي يتسابق الناس لالتقاط صورًا تذكاريّة بجانبها، أمّا تمثال المعلم فله شأن آخر؛ تمثال المعلم تعتليه شمائل الصّبر، وتُزينه احترافيّة الحب، أمّا هيكله الداخلي فمحشوّ بالرحمة والإنسانية، ودعاماته الإنصاف والمرونة والتواصل الفعّال.
أحبّ المعلِمُون أحمد شوقي وحقّ لهم أن يُدينوا له بكل تقدير واحترام ويترحموا عليه لأجل هذه القصيدة الجميلة ولمعانيها الساميّة الأصيلة التي أفردتْ المعلم بصفات إنسانيّة راقية لمهنة تُعدّ من أشرف المهن وأجلّها.
وإذا كان لأرشيف التاريخ الأدبيّ أن يُباهي بأدبائه فله موعد لايتعداه عندما يطلق أبواق الفخر في الخامس من اكتوبر ويُسعد قلوبنا بمطلع قصيدة شوقي الفاخرة :
قم للمعلمِ وفِّه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا.
كلّ عام وجميع المعلمين والمعلمات بألف خير.



