منذ آلاف السنين، كان الإنسان منهمكا، يرمق ببصره نحو السماء متسائلًا عن سرّ هذا السواد الممتد بين النجوم. كان يتحرى النور في موضع، والظلام في موضع آخر، فيجول في خلده أن الفضاء كتاب مشفّر، يحتاج إلى عين بصيرة أحدق من عينه الجسدية المحدودة, حتى يحسن قراءتها ويفكك طلاسمها، لئلا يرتد إليه بصره (خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ). أمست ساعات الليل مضمارا لسياحة فكرية بغية حلحلة ألغاز هذا الوجود.
رويدا رويدا، ومع تراكم المعرفة، بدأ العقل البشري يحبو نحو فهم أشمل للكون. اخترع التلسكوب، رسم خرائط النجوم، أسس قوانين الفيزوفضاء، وعندما أفصح اينشتاين عن نظرياته في النسبية الخاصة والعامة, انفتق باب أرحب من الدهشة والحيرة. ومن ضمن ما تمخض عنه من افكار جريئة مفهوم “الثقب الأسود”، كأنه سر جديد يضاف إلى الكراسة القديمة للأسرار الكونية المزدحمة. في البداية اعتقد البعض أنه ضرب من الخيال، لكن مع تتابع الأدلة تأكد بما لا يدع مجالا للشك أنه حقيقة جاثمة في قلب السماء, تشابه (الْجِبَالَ أَوْتَادًا) وهي جاثمة على صدر الأرض.
تسارع فهمنا للثقب الأسود. في نهاية حياة النجم يُنهك ويستنفذ وقوده، يحتضر, ينهار على نفسه، يستحيل نقطة كثيفة "ثقبا اسودا"، بجاذبية لا يفلت منها حتى الضوء. لكنه، برغم هذا الرعب الصاخب، تتقشع عنه حقيقة أن الكون بما حوى أصبح اسيرا لدورات متتابعة من ولادة وموت للنجوم. وذلك تثبيت لحركة النجم الجوهرية في تكامله، تماما كما ان ذبول الوردة يترك وراءه بذرة، فتنشا نبتة اخرى في ثوب أزهى.
صولة الإنسان مع الثقب الأسود وثقت حركة النجوم حول هذا "الفراغ الخفي", ورصدت للمرة الاولى موجات الجاذبية الكونية كنتيجة لتصادم ثقبين اسودين بعدما تقاربا واندمجا في اقتران فريد، بعثا إلينا بذبذبات التقطناها وفككنا شفرتها في 2012. تلاها التقاط الخبراء لأول صورة لثقب أسود في 2019، فرفع العالم قبعته فخرا وغرورا بهذا الإنجاز العظيم، لكنه سرعان ما أدرك عجزه امام عظمة الخالق سبحانه وتعالى، اذ كيف لحلقة من نور ان تحيط بظلام مطلق؟
يبقى السؤال ماثلا, نحن نرصد آثار الثقب الأسود، لكننا لم نصل بعد الى ذاته وكنهه. ندرك وجوده من خلال دلائله، تماما كما ندرك اتصالنا بالغيب من خلال الاثار. لنؤمن بأن هناك ما هو أبعد من عيوننا، وأعمق من إدراك عقولنا، وأن وراء كل سرّ حكمة لله سبحانه وتعالى، وسيبقى (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) تذكير لنا بحاجة الانسان الى فيوضات الله التي تجري بأمر من محمد واله.
نحن نقر بان مهمة الاستكشاف هذه لن تستطيع ان تزيح الستار عن جميع اسرار الكون، لكنها ترسخ مفهوم المعرفة التراكمية، المحفوفة بالغموض والفضول, كجزء من نسيج الوجود. الثقب الأسود ليس خيالا بلا روح، بل هو مرآة تعكس سعي الانسان للتكامل. ومنظار يصمم حدود عزمنا في المعلوم وسعينا نحو اماطة اللثام عن المجهول، وتدعوك انت أيها القارئ الشاب والشابة الكريمين, لتستثمر طاقتك في جولة الاستكشاف هذه، والتي ستحط رحالها يوم يكشف عنك الغطاء, فيصبح بصرك (الْيَوْمَ حَدِيدٌ).
رويدا رويدا، ومع تراكم المعرفة، بدأ العقل البشري يحبو نحو فهم أشمل للكون. اخترع التلسكوب، رسم خرائط النجوم، أسس قوانين الفيزوفضاء، وعندما أفصح اينشتاين عن نظرياته في النسبية الخاصة والعامة, انفتق باب أرحب من الدهشة والحيرة. ومن ضمن ما تمخض عنه من افكار جريئة مفهوم “الثقب الأسود”، كأنه سر جديد يضاف إلى الكراسة القديمة للأسرار الكونية المزدحمة. في البداية اعتقد البعض أنه ضرب من الخيال، لكن مع تتابع الأدلة تأكد بما لا يدع مجالا للشك أنه حقيقة جاثمة في قلب السماء, تشابه (الْجِبَالَ أَوْتَادًا) وهي جاثمة على صدر الأرض.
تسارع فهمنا للثقب الأسود. في نهاية حياة النجم يُنهك ويستنفذ وقوده، يحتضر, ينهار على نفسه، يستحيل نقطة كثيفة "ثقبا اسودا"، بجاذبية لا يفلت منها حتى الضوء. لكنه، برغم هذا الرعب الصاخب، تتقشع عنه حقيقة أن الكون بما حوى أصبح اسيرا لدورات متتابعة من ولادة وموت للنجوم. وذلك تثبيت لحركة النجم الجوهرية في تكامله، تماما كما ان ذبول الوردة يترك وراءه بذرة، فتنشا نبتة اخرى في ثوب أزهى.
صولة الإنسان مع الثقب الأسود وثقت حركة النجوم حول هذا "الفراغ الخفي", ورصدت للمرة الاولى موجات الجاذبية الكونية كنتيجة لتصادم ثقبين اسودين بعدما تقاربا واندمجا في اقتران فريد، بعثا إلينا بذبذبات التقطناها وفككنا شفرتها في 2012. تلاها التقاط الخبراء لأول صورة لثقب أسود في 2019، فرفع العالم قبعته فخرا وغرورا بهذا الإنجاز العظيم، لكنه سرعان ما أدرك عجزه امام عظمة الخالق سبحانه وتعالى، اذ كيف لحلقة من نور ان تحيط بظلام مطلق؟
يبقى السؤال ماثلا, نحن نرصد آثار الثقب الأسود، لكننا لم نصل بعد الى ذاته وكنهه. ندرك وجوده من خلال دلائله، تماما كما ندرك اتصالنا بالغيب من خلال الاثار. لنؤمن بأن هناك ما هو أبعد من عيوننا، وأعمق من إدراك عقولنا، وأن وراء كل سرّ حكمة لله سبحانه وتعالى، وسيبقى (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) تذكير لنا بحاجة الانسان الى فيوضات الله التي تجري بأمر من محمد واله.
نحن نقر بان مهمة الاستكشاف هذه لن تستطيع ان تزيح الستار عن جميع اسرار الكون، لكنها ترسخ مفهوم المعرفة التراكمية، المحفوفة بالغموض والفضول, كجزء من نسيج الوجود. الثقب الأسود ليس خيالا بلا روح، بل هو مرآة تعكس سعي الانسان للتكامل. ومنظار يصمم حدود عزمنا في المعلوم وسعينا نحو اماطة اللثام عن المجهول، وتدعوك انت أيها القارئ الشاب والشابة الكريمين, لتستثمر طاقتك في جولة الاستكشاف هذه، والتي ستحط رحالها يوم يكشف عنك الغطاء, فيصبح بصرك (الْيَوْمَ حَدِيدٌ).



