12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

إليك بُني "25".. رمقني بطرف عينيه

ذات صيفٍ، وكانت الرطوبة عالية، توجهت إلى مجلسه، أعلم بأنه في هذا الوقت الذي خصصه للقراءة، لا يستقبل أحدًا، ولكن لي مكانة خاصة لديه، بيننا عشق، كظلٍ.

 بعثت إليه رسالة، أخبره فيها بأني أحتاج إلى دقائقٍ؛ لأستشيره في أمر ما، وأخذ نصيحته.

 قال: تفضل على الرحبة والسعة.

 وضع كتابه جانبًا، وقمت بعرض الأمر عليه، وإذا به يختصره لي في بضع كلمات، وجدت فيها البلسم، الماء البارد الذي صبَّه على رُوحي، فأراحني برغم هذه الرطوبة التي جعلتني أكثر قلقًا.

 وبعد ذلك، بُني نسج كلماته في أذني، كنهج حياة.

 لازلت، وسأبقى أتذكر كلماته ما حييت.

 رمقني بطرف عينيه مُبسمًا، يُحدثني: 

 من أكبر الهدايا التي تُقدم إلى الإنسان، هي النصيحة، فإنها ليست كلمات عابرة، بقدر كونها قيمة حقيقية، نابعة من الثقافة والخبرة والتجربة، لذا نحن نعيش كل هذه إذا تعاملنا مع النصيحة، كرسالة ينبغي معرفتها بدقة، والاستفادة منها.

 إن الإنسان الشغوف بالإنجاز، والذي ينظر إلى الحياة بأنها مساحة إبداع، يسعى جاهدًا إلى الاستفادة من الآخر، أكانت من خلال النصيحة أو الاستشارة، وهذا لا يعني التبلد والاتكاء عليهما دون أن يُطور الإنسان من ثقافته ومداركه.

 بُني..

 كُن مع النصيحة توأمًا، واجعلها من أولوياتك، فكم من أناسٍ تغيرت حياتهم، نجحوا في أعمالهم، حققوا طُموحاتهم؛ لأنهم اتخذوا من النصيحة بوصلة لهم، إضافة إلى القراءة والاطلاع.

قد يتبادر إلى ذهنك سؤال الآن، فإني أرمق في عينيك، وجنتيك ما يُثير التوجس عن علاقة النصيحة بالقراءة والاطلاع. 

 أجيبك، فانتبه:

 لا تظن أن النصيحة والاستشارة، تتوقف على الإصغاء إلى حديث الآخر فقط، فإنها تجيء كذلك من خلال القراءة والاطلاع، فإن المُبدعون، هم الذين يقرأون ما هو وراء الكلمات، الناظرون لما هو خارج الصندوق، والذين يُشقلبون الكلمات، ويضربون المعاني بعضها ببعض، الباحثون عن شيء مُختلف، يبتعد عن المألوف مسافات، كامتداد أمواج البحر المُتلاطمة. 

 نحن حين نقرأ، أو نُشاهد مقطعًا مُصورًا، فإننا نعيش مع الكتاب، ونُغرس فيما نُبصر؛ فإن اخترنا ما يُناسبنا، وما نتوق إليه، وماهو مُزدهر بالفائدة، فإننا نملك حينها ما نحتاجه، وما نهفو إليه، وكأنه نصيحة لنا، واستشارة، وذلك نتيجة لما تفعله هذه القراءة والمُشاهدة في ذواتنا وعُقولنا، ألم يأتي عليك وقت، كُنت تقرأ، ووجدت ما يروي ظمأك، ويشفي وجعك، ويفتح لك الشُّرفة باتساع الضوء؛ لتشعر بالعنفوان.

 لذا بُني..

 إن الإنسان في عمل دؤوب، سعيًا إلى التنمية الذاتية، والارتقاء، فالراحة لا تأتي مع الكسل، وإنما بالجهد والتعب؛ لأنهما الراحة الحقيقية.


error: المحتوي محمي