12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

قراءة في دراسة

نُشرت دراسةٌ للباحثين الأستاذ الدكتور رضي حسن المبيوق¹ والدكتور عبد الله فيصل الربح² بعنوان:“تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في العلاقات الأسرية في منطقة الخليج العربي”**³.

وهي بمثابة الفصل الخامس عشر الواقع بين الصفحات (287–302) من كتاب مرجعي حرّره بعض الباحثين بعنوان “دليل الأُسر في دول الخليج العربي”، الذي يضم بين دفتيه أربعين فصلاً تتناول قضايا نفسية واجتماعية جوهرية تتعلق بالأسرة الخليجية بعد ثورة تكنولوجيا التواصل العالمية.

وصدر هذا الكتاب عن دار سبرنجر (Springer) لعام 2025.

الفكرة الرئيسية للدراسة

ركز الباحثان في دراستهما على تحليل التأثيرات المتعددة لوسائل التواصل الاجتماعي في التفاعلات والعلاقات الأسرية في مجتمع دول مجلس التعاون الخليجي، مع التركيز بشكل خاص على التحديات التي تواجهها الأسر الخليجية في ظل الانتشار الواسع للتكنولوجيا الرقمية والاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي.

ومن هذا المنطلق، تناولت الدراسة عدداً من النقاط الرئيسية، أجملها في الآتي:

1. الاتساع الكبير لرقعة وسائل التواصل الاجتماعي في الخليج

أوردت الدراسة بيانات تُظهر انتشاراً واسعاً لهذه الوسائل ولتأثيراتها في التواصل الأسري، والتربية، والصحة النفسية والجسدية.

وفي هذا السياق، اعتمد الباحثان على تحليل أبحاث سابقة واستطلاعات، مثل استطلاع “الشباب العربي (2023)” الذي شمل 3600 شاب في 18 دولة عربية، بالإضافة إلى بيانات من Statista ودراسات محلية في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر.

أُشيرَ إلى أرقام ملفتة لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي حول العالم؛ فهناك نحو 4.95 مليار مستخدم تقريباً.

وفي ظل هذا الاستخدام الواسع الانتشار، كشف استطلاع “الشباب العربي (2023)” عن تزايدٍ مطّردٍ في معدلات انتشار وسائل التواصل الاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط.

فمثلاً، بلغت نسبة صعوبة فصل الشباب العربي أنفسهم عن وسائل التواصل الاجتماعي 74%، وارتفعت هذه النسبة بين الشباب الخليجي إلى 82%، بل بدت أكثر ارتفاعاً في بعض دول الخليج لتصل إلى 98% في البحرين و96% في الإمارات المتحدة.

2. التأثيرات في التنشئة الاجتماعية والعادات الثقافية

من منظور سوسيولوجي، تعتز الأسرة الخليجية منذ البداية بهويتها الثقافية التقليدية المحافظة.

وهذه الهوية تتعرّض اليوم لرياح تكنولوجيا التواصل الاجتماعي العاتية من كل حدب وصوب، مما شكّل تحدياً عاصفاً لها بكل ما تتضمنه من اعتقادات وأفكار وقيم وثقافة متأصلة منذ القِدم.

لقد باتت هذه الرياح التكنولوجية تتنافس بشدّة مع الذات التقليدية الأسرية الخليجية التي أقلقها مصير ثقافتها كملهمٍ أساسي لتنشئة أبنائها جيلاً بعد جيل.

وهذا يعني أن هناك قلقاً أسرياً حقيقياً في المجتمعات الخليجية من فقدان الهوية، كعنوان جوهري للشخصية القومية التي تمدُّ الأجيال اللاحقة بالحصانة اللازمة من تأثير هويات أخرى لا تمت لهذه الشخصية بصلة.

3. التأثيرات في الصحة النفسية والعلاقات الأسرية

يفيد الباحثان بأن هناك دوافعاً تدفع المراهقين نحو استخدام منصات التواصل الاجتماعي مثل واتساب، وسناب شات، وتويتر (إكس حالياً)، ومنها: الحصول على المعلومات، والترفيه، والتعبير عن الذات، والمشاركة الاجتماعية.

ويقرّ الباحثان بأن لهذا الاستخدام فوائد تتعلق بتعزيز التواصل والوصول إلى المعلومات، لكنه أيضاً يحمل آثاراً سلبية حين يُستخدم بشكل مفرط.

فـ 61% من الشباب يعتقدون أن لإدمان وسائل التواصل تأثيرات سلبية على الصحة النفسية.

وفي المملكة العربية السعودية، ارتفع معدل الإدمان من 4–6% (2014–2015) إلى 30–60% (2019)، خاصة بين الإناث (50% في الأحساء، 38% في الدمام).

ويؤدي ذلك إلى مشكلات صحية وجسمية (كالصداع وآلام العضلات)، ونفسية (كالقلق والاكتئاب والعزلة الاجتماعية واضطراب النوم)، كما ينعكس على العلاقات الأسرية في شكل صراعات وخلافات زوجية وتوتر وعزلة وانخفاض الأداء الأكاديمي.

4. دور الوالدين ومسؤولياتهم

لا يزال دور الأسرة في التربية والتوجيه قائماً على تنشئة اجتماعية تعزز النمو ضمن الإطار الثقافي التقليدي، إلا أن هذا الدور يواجه الآن تهديداً وجودياً بفعل التحديات الرقمية المتسارعة.

ويشير الباحثان إلى أن نجاح الوالدين في توجيه أبنائهما نحو استخدام آمن لوسائل التواصل الاجتماعي يعتمد على ثلاث شروط:

   •    الوعي بما يستخدمه الأبناء من منصات، ومدة الاستخدام، وأسبابه.

   •    الاستعداد للمساعدة في توجيههم نحو استخدام آمن ومعقول.

   •    الإرادة الواعية للتصرف عملياً وفق هذا الوعي والاستعداد.

وترتبط هذه الشروط بأساليب الممارسة التربوية لدى الوالدين.

وفي هذا السياق، تناولت الدراسة أنماط عالم النفس ديان بومريند (Dianne Baumrind)، وهي: الحازم الديمقراطي (Authoritative)، المستبد (Authoritarian)، المتساهل (Permissive)، المهمل أو غير المكترث (Neglectful).

ويُعدّ الحازم الديمقراطي الأسلوب الأكثر فاعلية، لأنه يجمع بين الدفء والضبط المعقول.

5. التوصيات المقترحة

   •    تمكين الوالدين: تطوير برامج توعوية مستمرة تشرح مخاطر وسائل التواصل وآلياتها وخوارزمياتها، مع تشجيع أسلوب التربية القائم على الحوار والمراقبة الإيجابية.

   •    تعزيز المسؤولية الاجتماعية للشركات: حثّ شركات التقنية على تبني مبادئ التصميم الإنساني، والشفافية في الخوارزميات، وتوفير أدوات رقابية فعالة للأسر.

   •    التعليم ومحو الأمية الرقمية: إدخال مناهج الثقافة الرقمية والمواطنة الإلكترونية في التعليم المبكر، لتعليم التفكير النقدي وحماية الخصوصية وإدارة الوقت على الشاشات.

   •    البحث والسياسات العامة: دعم الأبحاث المحلية ووضع سياسات وطنية وخليجية تنظم استخدام المنصات بما يتوافق مع القيم المجتمعية ويحمي المصلحة العامة.

الخلاصة

إن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي في مجتمعات الخليج العربي — التي تضم واحدة من أعلى نسب الشباب في العالم — أحدث تحولاً جذرياً في أساليب التنشئة الاجتماعية.

ولم تعد الأسرة هي المصدر الوحيد لتشكيل الهوية، بل تواجه منافسة شرسة من المنصات الرقمية ذات الجاذبية العالية وآليات الإقناع المتطورة.

فقلق الأسرة الخليجية ليس رد فعل محافظاً بل استجابة حقيقية لتهديدٍ يمسّ وظيفتها الأساسية في حماية الهوية.

ولذلك فإن توجيه الأبناء لاستخدامٍ واعٍ وآمن لهذه الوسائل لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة مجتمعية ملحّة.

استنتاجات

   1.    ركزت الدراسة على منطقة ذات خصوصية ثقافية ودينية، ما يمنحها قيمة علمية مقارنة بالأبحاث الغربية.

   2.    تناولت أبعاداً نفسية وتربوية واجتماعية وثقافية متكاملة.

   3.    اختيار موضوع “العلاقات الأسرية” جاء موفقاً لصلته المباشرة بالبنية المجتمعية الخليجية.

   4.    حداثة الدراسة وارتكازها على بيانات معاصرة تجعل نتائجها ذات صلة بالواقع الراهن.

   5.    قدمت الدراسة توصيات عملية قابلة للتطبيق على مستوى الأسرة والمجتمع.

   6.    تُعد محفزاً لدراسات مستقبلية تعتمد على بيانات ميدانية مباشرة.

   7.    يمكن تطويرها بالمقارنة بين الدول الخليجية تبعاً لاختلافاتها الثقافية والاجتماعية.

   8.    توسيع عينات البحث ليشمل الريف والمدن يعزز دقة النتائج.

   9.    أدوات البحث الحالية قد لا تقيس بعمق متغيرات مثل الهوية وصراع القيم، لذا يُنصح بمقابلات ميدانية معمقة.

   10.    هذه التحديات المنهجية شائعة في العلوم الاجتماعية ولا تقلل من قيمة الدراسة.

   11.    كونها جزءاً من كتاب شامل يجعلها ضمن مشروع أكاديمي واسع وغني بالمقارنات.

المصادر

   •    Al-Mabuk, R. H., & Alrebh, A. F. (2025). Impact of social media on family relations in the Arab Gulf region. In M. M. Rahman, K. Al-Ghanim, Z. Hossain, & S. Umar (Eds.), Handbook of Families in the Arab Gulf States (Vol. 19, pp. 287–302). Springer.
https://doi.org/10.1007/978-981-96-3412-5_15

   •    Rahman, M. M., & Al-Azm, A. (2023). Social change and transformation in the Gulf region. In M. M. Rahman, K. Al-Ghanim, Z. Hossain, & S. Umar (Eds.), Social change in the Gulf region: Multidisciplinary perspectives (Vol. 8, pp. 1–14). Springer.
https://doi.org/10.1007/978-981-19-7796-1


error: المحتوي محمي