ولدت «حكاية بلوغ» من قلب أم، ومن قلم أديبة تعرف كيف تدخل عوالم الطفولة بخفة وحنان، وفي هذا العمل الصادر حديثًا، تمضي الكاتبة هدى مهدي العوى من محافظة القطيف في رحلة تربوية فريدة، تمسك فيها بيد الطفل في أول خطواته نحو مرحلة البلوغ، لتقدّم له إجابة تُشبهه، ولغة تُطابق عمره، ورسالة تطمئن قلبه قبل أن تشرح له التغيرات.
واختارت الكاتبة لغلاف الكتاب رسمة دافئة لطفل يرفع يديه محاطًا بالأزهار البنفسجية والبيضاء، كأنها تقول له «لا تخف، فكل شيء على ما يرام»، وبين الغلاف والصفحات، تسير «الحكاية» بخطى محسوبة، تنقل القارئ الصغير من تساؤلاته الصامتة إلى لحظة الفهم والتقبّل.
وفتحت الكاتبة صفحاتها الأولى بتساؤلات تنبع من داخل الطفل نفسه، ليبدأ القارئ رحلته مع شخصية فهد، ذلك الطفل الذي لاحظ تغيرات جسدية وصوتية، لكنه لم يجد من يُجيبه بطريقة تُطمئنه دون أن تُحرجه، وهنا تتجلى براعة الكاتبة في تحويل العلم إلى حكاية، والمعرفة إلى رفيق، والقلق إلى طمأنينة.
وقدّمت الكاتبة صوت الأب كعنصر طمأنينة في الحكاية، فجعلته يتحدث بلغة ودودة وصريحة، تمنح الطفل الثقة بأن البلوغ ليس أمرًا مخيفًا، بل مرحلة طبيعية من مراحل النمو التي تعني أن المرء بدأ يكبر، ويحتاج إلى فهم نفسه والتعامل معها باحترام ورعاية.
ولكن «حكاية بلوغ» لم تكن حكرًا على الأولاد فحسب. فالكاتبة، التي صرّحت أنها كتبت هذا الكتاب إلى بناتها الفتيات، قدّمت فصولًا موجهة لليافعات أيضًا، عبر شخصيات مثل ماريا وجوري، وقدّمت من خلالها محطات مؤثرة تبدأ من «نزهة على شاطئ البحر»، وتستمر إلى «حديث الأميرات»، و«درس مختلف مع أمي»، و«تعلمت ألا أخاف»، وصولًا إلى «جمالكِ في تفرّدكِ». وبين هذه العناوين، نسجت الكاتبة عوالم من الطمأنينة، والثقة، والفهم.
ولم تنسَ الكاتبة أن تفتح الحديث مع الأم أيضًا، فبدأت الفصل الخاص بالبنات بـ«همسة في أذن الأم»، تحدثت فيها عن أهمية الاحتواء بدل التوبيخ، وعن تفهّم أسئلة الطفلة بدل تجاهلها، وعن ضرورة تقديم المعلومة بحب، لا بإحراج أو خوف.
وشدّدت الكاتبة على ضرورة أن يكون الوالدان مرآة إيجابية لأبنائهم في هذه المرحلة، وأن يكون البلوغ جسرًا نحو علاقة أكثر عمقًا وصداقةً بين الأبناء والأهل، لا لحظة تفجّر صدامات أو فرض قيود غير مبررة.
وتكتب هدى العوى بلغة لا تعرف التلقين، ولا تميل إلى الوعظ الجاف، بل تسير على خيط رفيع بين الحوار القصصي والتثقيف المبسط، لتشرح دون أن تُخيف، وتعلّم دون أن تُشعر القارئ بأنه تلميذ، وكل ذلك بأسلوب سردي يُشبه من تخاطبهم، وبمفردات مُختارة بعناية تراعي الفئة العمرية الحساسة.
وحرصت الكاتبة على ألا يكون الكتاب مجرد نص توعوي، بل جعلته بمثابة رحلة وجدانية وعلمية في آن، بحيث يخرج الطفل من الحكاية وهو أكثر طمأنينة، وأكثر دراية بجسده، وأقرب إلى أسرته.
وتؤكد الكاتبة لـ«القطيف اليوم» أنها اتجهت إلى كتابة هذا العمل لأنها ترى أن فئة اليافعين الأكثر احتياجًا للمحتوى التربوي المُحبب، وأن القصص المشوقة بالحوار التثقيفي والدرامي قادرة على الوصول إلى عقولهم وقلوبهم في آنٍ معًا.
واختتمت الكاتبة العمل برسالة مباشرة للطفل تقول فيها، «ما تمرّ به طبيعي، وهذه التغيّرات علامات نمو لا داعي للخجل منها. إنها الحياة تنمو فيك، فابتسم».
ولم يكن هذا الإصدار كتابًا عابرًا في مكتبة الطفولة، بل رفيقًا حنونًا، ومصباحًا صغيرًا، يضيء للطفل أول طريقه نحو النضج بثقة وأمان، حيث جاء ضمن سلسلة أعمال الكاتبة التي سبقت له أربع روايات: «عندما يلتقيان»، و«يراني في الظلام»، و«النملة جرسا»، و«صعقة البرق»، لتأتي «حكاية بلوغ» كأول عمل مخصص للطفل، وتُثبت من خلاله أن بوصلتها الأدبية تتجه نحو كل قارئ يبحث عن صوتٍ يُشبهه، ومَن يُمسك بيده حين تبدأ الأسئلة الكبيرة في الظهور.



