13 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

العمة.. صدى الأم 10

في طفولتي، لم أكن أفرّق كثيرًا بين بيتنا وبيت عمّتي ربما لقربه من بيتنا جدًا. كنا ندخل بلا استئذان، وكأن أبوابها فُتحت لتقول: “هنا مكانكم.” في مطبخها، كنا نجد القدر يغلي وكأنها كانت تنتظرنا وما أحلاه من يوم إذا وجدنا القدر ممتلىء "بالمحلبية" الساخنة الله الله، وفي مجلسها نسمع الحكايات التي لا تُروى في بيتنا. لم تكن عمّة فحسب، كانت حياة أخرى نلجأ إليها كلما أردنا فسحة من الضحك أو ملجأ من التعب.

أتذكر مساءً، يوم مرضت أمي واضطرب البيت كله. كانت عمّتي أول من حضر، لا تحمل بيدها إلا ابتسامة وعبارة: “أنا أمكم اليوم.” جلست بجانب سريرنا، رتّبت الفوضى، ووزعت علينا الطمأنينة كما توزع الأم قبلة النوم على جبين طفلها. تلك الليلة عرفت أن للعمة قلبًا لا يقل عن قلب الأم، لكنه يأتي من زاوية أخرى: زاوية الأخت التي تعرف كيف تملأ الفراغ دون أن تدّعي ملكيته.

العمة لا تحتاج أن تُنجب لتكون أماً، يكفي أن تضع أبناء أخيها في قلبها، فيكبرون فيه كما يكبرون في بيوت آبائهم. كم من عمات حرمن من الأمومة، لكنهن نسجن أمومة من نوع آخر، أوسع وأعمق، تجعل أبناء الإخوة يشعرون أن الدم لا يكفي لتفسير هذا الحنان.

يقول صاحبي: “أذكر عمتي كانت تحتفظ برسائل قديمة كتبها والدنا في شبابه، وحين كبرنا، كانت تقرأها لنا كأنها تُعيد إلينا جزءًا من روحه. لم تترك لنا كلمات على ورق، لكنها جعلتنا نرى الأب من جديد، من خلال عين أخت تحبه وتفخر به.” في تلك اللحظة فهمت أن العمة ذاكرة للأخ لا فقط ظلًا للأم، تحفظ صورته وتعيد بثها لأبنائه حين يحتاجونها.

في مجالس العائلة، كانت العمة تجلس أحيانًا بصمت طويل، لكنها إن تكلمت، خرج كلامها مختلفًا: لا يشبه وصايا الأب ولا دفء الأم، إنما يحمل مزيجًا بينهما، فيه صرامة الحب ورقّة الأخوة. كنا نصغي لها وكأننا نسمع صوتًا قادمًا من أعماق الجذور.

وللعمة مشاهد لا تُنسى من خفة ظلها؛ كم مرة كانت تنحاز لنا في مشاكسات الطفولة ضد أمّنا، فإذا غضبت الأم قالت عمتي مبتسمة: “هؤلاء أولادي قبلك، دعيني أصلح بينهم.” فتنقلب الملامة إلى ضحك، ويذوب الغضب كما يذوب الملح في الماء. وكثيرًا ما أفسدت على أبي صرامته بابتسامة، فإذا رفع صوته هدأ أمام ضحكتها التي تكسر هيبة الموقف. هكذا كانت، تُوازن بين الجد والمرح، وتجعل البيت أكثر احتمالًا.

العمة صدى الأم، لكنها صدى مميز، لا يكرر الصوت وإنما يُعيد تشكيله بنغمة أخرى. هي الأخت التي تذكرك بأن الدم رحم، وبأن الحنان لا يتوقف عند جدار بيت، تجده يسري في بيوت الإخوة كما يسري الماء في عروق الأرض الواحدة.


error: المحتوي محمي