العم هو الشجرة التي نبتت بجانب شجرة أبيك، تشربت من ذات الأرض والماء ، ذات الصلب، فصار هو ظلّ الأب وامتداده. إذا غاب الأب أو ضعفت خطاه، كان العم هو الذي يُشعرك أن في البيت رجلاً آخر من نفس العصب، ينهض ليملأ الفراغ ويحفظ للبيت توازنه.
«العم صنو الأب»، أي مثيله ونظيره، ومن يشاركه الأصل والمكانة. ولهذا لا يُمكن أن يُنظر إلى العم كأحد الأقارب فقط، هو جزء من الأب نفسه، يشارك أبناء أخيه الهمّ والأمل، ويحمل عنهم بعض ثقل الأيام.
نرى العم الصالح أول من يقف بجانب أبناء أخيه في الأفراح والأتراح. يبارك لهم في نجاحهم، يشاركهم أعباءهم، ويمد لهم يده ساعة الحاجة. كثيرًا ما يُشبه الأب في صوته أو هيئته أو طريقة جلوسه، حتى يكاد الأبناء يظنون أنهم استعادوا ملامح أبيهم في حضوره.
وكم من أبناء فقدوا والدهم، فعاشوا في ظل عمٍّ عادل، كان لهم بمثابة الأب الحارس. يزورهم، يتفقد أحوالهم، يُوجّههم بحكمة، ويترك أثرًا لا يُنسى في تكوينهم. في لحظة الفقد، يُصبح العم بمثابة الصمام الذي يمنع الأسرة من الانكسار.
للعم حضور راسخ في الذاكرة العربية،. فالعرب قالت قديمًا: “الأعمام صنو الآباء، وبهم يشتدّ العصب.” وكانوا يعدّون وجود العم حصنًا للأبناء، وعزوة في مواجهة الخطوب والمآسي.
العم عمود إضافي للبيت، يشتد به البناء، ولا ينهض البيت على عمود واحد.
أتذكر عمي –رحمه الله– كيف كان يطرق بابنا عصر كل جمعة، يدخل مبتسمًا، فيجلس في صدر المجلس. لم يكن كثير الكلام، لكن حضوره وحده كان كافيًا لملء البيت بالسكينة. كان يردد دائمًا: “أبناء أخي أبنائي، لا فرق عندي بينهم.” هذه العبارة لم تكن شعارًا فقد كانت حياة عاشها معنا.
وكم من أعمام في مجتمعنا اليوم ما زالوا ينهضون بهذا الدور: عم يتكفل بمصاريف دراسة أبناء أخيه، أو عم يقف في حفل زواج ابن أخيه ويتكفل مع أخيه بمصاريف زواجهم وكأنه يزوّج ابنه، أو عم يسهر في المستشفى إلى جوار أبناء أخيه كما لو كانوا فلذة كبده.
حتى في زمننا المعاصر، الذي غلبت عليه فردية الحياة وتسارعها، بقي العم يؤدي ذات الدور. يتواصل معهم بالحضور وعبر برامج التواصل الإجتماعي ، أو يشارك في مجموعة عائلية، أو يتفقد أبناء أخيه عبر زيارة قصيرة، لكن أثره يظل أكبر من حجم الفعل. يكفي أن يقول كلمة ليشعر الأبناء أن جذورهم ما زالت ثابتة، وأن سندهم لم ينقطع.
العم هو جذر يوازي جذر الأب لا غصن جانبي، وظلّ يمدّ فيء العائلة ويحفظ توازنها. وجوده يُشعر أبناء أخيه أنهم لم يفقدوا أصلهم، وأن النسب ما زال محفوظًا بحضوره.
العم ظلّ الأب، من برّ بعمّه فقد وصل رحِم أبيه، ومن أهمل صلته فقد قطع شريانًا من شرايين الأصل. وإذا غاب العم، شعرت العائلة أن ركنًا من أركانها قد هوى، لكن أثره يبقى حاضرًا في النفوس، وفي الذكرى، وفي المواقف التي لم تُنسَ.
عمّي عضيدي وحِصني إن دعَتْ نوبٌ
يبقى عمادًا لنا في الدارِ أركانا
يمضي بسيرةِ آباءٍ نفاخرُهمْ
ويُورثُ العزَّ للأحفادِ إحسانا
إن غابَ والدُنا فالعمُّ مُنتصِبٌ
يَرعى اليتامى ويُبقي الأصلَ بُنيانا
وعزوةُ العمِّ إن هبّتْ صوارمُها
ردّتْ خطوبَ الزمانِ الصعبَ خُسرانا
فالعمُّ للأصلِ نُورٌ لا يُغيّبُهُ
يُبقي العزيمةَ في الأرواحِ إيمانا



