12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

هكذا أنا في كل كتاباتي، لا أبتعد عن عفويتي وتلقائيتي، فاعذروني!

قرأت لجورج برنارد شو، الكاتب والناقد الساخر الأيرلندي: “بعض الناس ينظرون إلى الأشياء كما هي ويتساءلون لماذا؟ أما أنا فأحلم بأشياء لم تكن قط وأقول لمَ لا!”. وهنا أحاول دائمًا الابتعاد عن النقاد من القراء، لأن القلة منهم لا يملكون مفاتيح القراءة ذاتها. أحاول أن أكتب نصوصًا ترقى لمستوى القارئ المتمكن، وأحاول أن أهرب من نفسي المكبلة بالقيد والممهورة ببوح صريح، وأمنح مقالي مساحة للعبور نحو أفق القراء. قد يتساءل البعض عن سر هذه الجرأة الأدبية التي تسكنني وأعتز بها، فأتماهى بالكتابة جملة وتفصيلًا، إذ إن كتابتي وقراءتكم، شئنا أم أبينا، هي العلاقة بيننا ليس إلا. أدرك تمامًا أنني من هواة المشاكسة مع القارئ في متعة الكتابة، فلا تؤاخذوني أعزائي القراء، وسأترك المجال مفتوحًا لمن يقرأني.

إحدى اللحظات التي أبحر بها مع الخيال، ولسبب ما لا أدركه، أنني أصبحت واعية لحقيقة أن البعض يعيش ضد نفسه ويختفي وراء أقنعة مزيفة مليئة بغربة الذات. ما زلت في حالة دهشة؛ بعضها موجعة وبعضها واقعية مزعجة. فلا بأس، أيها القارئ، أن تكون في حالة استياء من بعض كتاباتي، فقد تعذرني أو تتنازل عن بعضها لقارئ آخر.

لعلني هنا أمارس حرية الفكر المزدوج ما بيني وبينك أيها القارئ. لعلني أغتاب نفسي من بين السطور، وتغتابني أفكاري وتغرقني باستفسارات حائرة. أعترف أنني أحيانًا لا أجيد التفكير في نظر البعض، وأحيانًا أخرى أتعثر بين سطوري. ومع ذلك، أدهشتني بعض أفكاري لما تحمله من فيض استثنائي. فليطمئن قلبك، فما أكتبه فيه مشاكسة، لكنه ليس استعطافًا. وأدين لكم بقراءتكم التي تدفعني لمواصلة كتاباتي المتوهجة صدقًا.

غادرت مؤخرًا القطيف، ولم تغادرني. رافقتني طوال 72 ساعة إلى مدينة الرحاب بمصر. وحين هبطت الطائرة أرض المطار، تمنيت أن أعود فورًا إلى بلدتي. وصلت شقتي مع زوجي ورفيق دربي، وبقيت متأملة الأركان الهادئة والذكريات السخية، أعانق الهدوء والسكينة. كان لرفقة زوجي أثر كبير في روحي، إذ أضاف إليها سلامًا في كل صباح ونحن نحتسي القهوة معًا. غير أن وسادتي في الليل لم تمنحني فرصة الحلم. ولأني لا أؤمن بالمستحيل، فقد فرضت على نفسي التفاؤل.

ما أنبل أن يستفيق المرء على حقيقة أن للفرح حقًا في حياتنا. لذلك أحاول أن أدعو للفرح، رغم أنني المكشوفة حزنًا وصدقًا. البعض يرفض الفرح كأنه مهرجان جنائزي دائم، لكن من حقنا أن نفرح، ولو سرًا. قد نختلس لحظات السعادة بطريقتنا، ولو من وراء الحزن، لأنه يداهمنا على غفلة، لكن لا يزال للفرح بقية.

تحضرني حكمة صينية: “إذا لم تجد ما تبحث عنه داخل نفسك، فأين يمكن أن تذهب للبحث عنه؟”. هذا السؤال يوقفني كثيرًا، إذ إن الحياة التي نبتغيها لا تُنال بسهولة، فالبحث والسعي من طبيعة الوجود. لا أدري أحيانًا إلى أين تتجه بي الحياة، لكنني أواصل البحث: عن طفولتي التي تاهت مني، عن عيون أشقائي الأربعة التي غابت عني، وعن نفسي التي أراها اليوم تحمل تناقضات الحياة وأوجاعها. كل ما أكتبه بين يديكم هو بحث عن ملامحي.

وأخيرًا خطر ببالي أن أفاجئكم بسؤال: هل من فخر أعظم من أن يكون للمرء صديق وفيّ؟ حكمة تركية تقول: “إذا تملك أصدقاء فأنت غني”. أما عن الحب، فقد عبّرت طفلة صغيرة اسمها ريبيكا عنه حين روت أن جدها لم يتوقف يومًا عن طلاء أظافر جدتها رغم مرضه. هذا هو الحب كما رأته. هنا أنحني احترامًا لزوجي الذي يستحق حبي وامتناني.

لعلني أعود ثانية بمزيد من الحكايا والخفايا، والعفو على هذا البوح الصادق.


error: المحتوي محمي