12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

الناس إما مُستريح أو مُستراحٌ منه!

كلنا لديه هاجس الخوف من أن ينسانا الناس بعد موتنا، ينسونا بعد مدة قصيرة. نخاف أن لا يبقى لنا أي أثرٍ أو خبر، وننسى إلى الأبد من ذكريات الناس. لكن الهاجس الأعظم يجب أن يكون أي أنموذج نحبّ أن يبقى من بعد أن نُمحى من سجلّ الأحياء؟

تعرف فلان؟ فلان، أي نعم أعرفه! هذا عاش ومات لم يؤذِ نملة! من أطيب الناس خُلقًا، يعين ويعاون. استراح، الله يرحمه من تعب الدنيا. وفد على ربٍّ كريم. كل من ذكره وهم كثيرون قال: الله يرحمه.

لكن ماذا عن فلان؟ أيّ فلان؟ فلان الذي استراح الناس منه؟ كان مؤذ مثل البعوضة يلسع في الصيف وفي الشتاء. استراحت البلادُ والعبادُ منه وحسابه على الله!

فعلًا! الناس هكذا؛ مأسوف على ذهابه وآخر في ذهابه مسرة. 

الحقيقة هي أن الإنسان يختار إما أن يُنسى في حياته وبعد موته بحيث يعيش معتزلًا الناس، أو يعيش في سيرةً حسنة قدر ما أمكن، أو يعيش حياة سوء عِشرة وظلم. خذها من الآخر باختصار شديد: لا أظنّ أن أحدًا يستطيع أن يعيش معتزلًا الناس فوق قمة جبل لذلك إما أن يعيش ويموت مذكورًا بخير أو يموت مستراحًا منه.

الدنيا أغمض عينًا وافتح عينًا وتنتهي ويبقى بعد ذلك السيرة والذكر. تبقى الرحمات أو اللعنات والإنسان مخير بين هذه وتلك، لا أحد يجبرنا أي نموذج نختار. الفاصلة بين اللعنة والرحمة بضع سنوات ثمّ يبقى التاريخ المحكيّ على ألسن الناس والمكتوب في صحف التاريخ وصحيفة الأعمال.

تسمع وتقرأ عن أناس رحلوا منذ أمدٍ بعيد. تتعجب وتَسأل عندما ترى الناس تحبهم: ما هذا الحب؟ من أين أتى؟ لماذا لا ينساهم الناس؟ السرّ أنهم أحبوا الناسَ فأحبهم الناس! عاشوا محبوبين وماتوا محبوبين. عاشوا ملتزمين بالدين والأخلاق. أناس آخرون تسأل: لماذا بعد كل هذه المدة يبغضهم الناس؟ هم هكذا أرادوا لأنفسهم!

قد مات قومٌ وما ماتت مآثرهم * وعاشَ قومٌ وهم في الناس أمواتُ

{وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ}
الذكر الحسن والذكرى الطيبة بين الناس، الذكرى الجميلة التي تبقى بين الناس عن شخص ما يحكيها لسانٌ عن لسان، جيلًا بعد جيل ولا تذهب في بوتقة النسيان. هذا ما دعا النبي إبراهيم عليه السلام به لنفسه أن يكون الأنموذج والأسوة الدائمة للبشرية وأن لا ينمحي ذكره الطيب الرفيع من الأذهان إلى الأبد.


error: المحتوي محمي