12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

الجد هيبة الأصل 6

لا تعتقد أن الجد رجلاً مسنًّا يجلس في صدر المجلس صامتًا، هو هيبة الأصل التي تُشعر العائلة أن لها جذورًا لا تهتزّ. وجوده في البيت يُشبه شجرة باسقة؛ جذورها تضرب عميقًا في الأرض، وأغصانها تُظلّل الجميع. قد يضعف الجسد، وقد تُثقل الخطوات، لكن مهابة الجد تبقى كما هي، تحمل في ملامحه سيرة عمر كامل من الصبر والعزة.

قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:140]، وكأن حياة الجد برهان حيّ على تداول الأيام، وعلى صبرٍ طويل وقدرة على التحمّل لا تُدرك بما خُطّ في الكتب. فهو الشاهد الذي حمل قسوة الماضي وضيّق العيش، وبقي ليقصّ للأحفاد حكاية الصبر والعزيمة، لا تاريخ مكتوب فحسب.

*عباءة الجد.. ظل لا يغيب*

ما زلت أذكر مشهدًا طفوليًا لا يغادرني: كنت أجلس مع إخوتي حول جدّي بعد صلاة المغرب. يمد عباءته العتيقة، فنزحف جميعًا لنتسابق مَن يحتضنه أولًا. كان لا يقول الكثير، يكتفي بابتسامة ويضع يده الثقيلة برفق على رؤوسنا. تلك اللحظة وحدها كانت تختصر معنى الأمان. لم نكن نفهم الحكمة يومها، لكننا شعرنا أن هذه اليد لا تحمل ثِقلًا فقط، بل تختزن معنى العُمق والجذر الممتد الذي يُثبتنا جميعًا.

كان الجد يبدأ حديثه بعد برهة صمت: يذكر أسماء رجال من القرية رحلوا، يروي لنا كيف كانوا يحرثون الأرض بأيديهم وبأدوات بسيطة، وكيف عاشوا القناعة في زمن الندرة والتعب والمعاناة والقسوة. لم يكن كلامه قصصًا للتسلية، كان شهادة على أن العائلة لا تقوم إلا على العرق والشرف والوفاء والجد والاجتهاد والعطاء.

*المرجع الأول*

الجد هو المقرر الأول في البيت، الآمر الناهي بحكمته ودرايته. قراراته كانت تُؤخذ بميزان من ذهب، فإذا نطق، صمت الجميع. يجتمع حوله الأبناء والأحفاد، كلٌّ يطرح رأيًا، لكن الكلمة الأخيرة تُنتظر من الجد. لم يكن صوته عاليًا دائمًا، غير أن حكمته كانت أعلى من كل صوت لا راوية للتاريخ تحكى فحسب.

في القضايا الكبيرة، كان الجد هو المرجع. يُعيد ترتيب الأمور إذا اضطربت، ويضع النقاط على الحروف إذا تتشتت العقول. لم تكن سلطته قهرًا، لكنها حكمة تنبع من تجربة عمر طويل. كان يملك معرفة دقيقة بالناس، خبرتهم وتجاربهم، فيعرف متى يتشدد ومتى يلين، متى يمنع ومتى يأذن.

وكم من بيوت تفرّقت كلمتها لولا أن الجد رفع يده بإشارة أو كلمة حاسمة فأعادت الصفّ واحدًا. لذلك، لم يكن يُنظر إليه على أنه مسنّ يعيش في الهامش، إذ كان ينظر إليه على أنه الأصل الذي تعود إليه الفروع عند الاختلاف.

*أبيات في مهابة الجد أقولها*

إذا حكى الجدّ يومًا في مجالسنا
سارتْ لهُ الحكمةُ الغرّاءُ عنوانا

وقد مضى صوتهُ في الحيّ مُعتبرًا
أضحى الوقارُ لهُ في النّاسِ ميزانا

يمضي الرشادُ إذا أملى وصيّتَهُ
كأنّما الوحيُ قد وافى وأوحانا

في وجههِ العزمُ والتاريخُ مُجتمعٌ
وفي يديه سنا العُمرين برهانا

يبقى العمودُ الذي لا ينثني أبدًا
مادام في البيتِ أحفادٌ وأركانا

الجد في البيت يعني أن الهيبة ما زالت حاضرة. إذا ضحك، ضحك المجلس كله، وإذا عبس، انكمش الصغار واستقام الكبار. كلماته تُحسب بثقلها لا بعددها. وقد قيل في المثل: “كلمة الكبير سيفٌ ماضٍ”، وكلمة الجد تُشبه هذا السيف، إذ تضع النقاط على الحروف دون زيادة ولا نقصان.

الجد هيبة الأصل، به تعرف العائلة أن لها عمودًا لا يسقط، وجذرًا لا يُستأصل. إذا رحل كان انكسارًا لركن، وسقوطًا لظلّ كان يغطّي الجميع. ومع ذلك، يبقى أثره: في وصاياه التي تتردّد، في طريقته بالجلوس، في دعائه وهو يرفع يديه بخشوع.

*الجد، هيبة الأصل*… هو البركة الممزوجة بالوقار، والصوت الذي لا يُعلى عليه، والظل الذي يستمر حتى بعد غيابه. من حظي بجد حيّ فليجلس إلى جواره طويلًا، فكل دقيقة قربه تاريخ حيّ، وكل كلمة منه زادٌ للأيام ومعرفة وإرث يجب علينا حفظه وتدوينه.


error: المحتوي محمي