12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

أمي زهوة أيامي

وبقيت وحدي في الطريق أفتش عن ليلي الأجمل، أبحث عن أمسي الأنقى، عن فرحي الهارب في الظلمة، وقد تبعثرت كل الأشياء، فإذا وجهك الصافي والضوء شحيح يراقبني، وصوتك يلف وجودي، وعيوني كسحابة تثور في دوامة الشجون تهدر الدموع.

قنديل أنتِ بل نجمة تؤنسني في كل طريق، تصرخ أشواقي نارًا كالبركان، أماه رحلتِ ورحل معك كل جميل. غرقت في الوحدة والأحزان، خلف الصمت تنداح الوحشة، دعاء الفجر يسأل في ألم: أين صاحبة القلب الكبير؟ أنتِ المكان والزمان، صوتك يرن في مسمعي يغلف انكساري بضوء الحياة، أنتِ كل شيء وبدونك لم يبقَ شيء.

فنجان القهوة ينتظرك، وكرسيك يسألني عنك، ومصلاك يناديك، نعم ينادي! أين النجوم الزواهر؟ أين الأحبة؟ نتلهف لليالي الأنس. كم كنتِ ذاكرة للصلاة، تالية للقرآن، نائمة ومستيقظة.

رغم ألمها وأوجاعها تدخل المستشفى وما تلبث أن تعود، ظل قلبها معلقًا بالعبادة. كل أيامها تفاصيلها متشابهة ومكررة، ومع ذلك تشعرك بالتجدد والانطلاق، واستغلال الوقت على الوجه الأكمل. بالدعاء تبدأ يومها وتختمه بالقرآن، علاقتها برسول الله وآله (عليهم السلام) علاقة هيام وغرام متجذر في حنايا الروح، وممتزج بلوعة الشوق وعشق الخالدين، فهم سلمها للعروج نحو المعالي. فهي كريمة تجود بكل سعادة، طيبة القلب، حنونة، عطوفة على القريب والبعيد، صادقة في حبها للناس، ومتوجهة للخير دائمًا.

على الرغم من معاناتها فإنها تساعد من يحتاجها بكل سرور وارتياح. وبما أنها جليسة البيت وليس لها القدرة على الخروج وزيارة من تود زيارتهم، فهي تتصل بين الحين والآخر بالأحبة والمعارف، تتعافى للمرضى، وتطمئن على الجيران، وتواسي الفاقدين. تفرح وتسعد بمن يزورها فرحًا بالغًا، بيتها في سالف الأيام كان محطًا لكل زائر وعابر، ويومًا بعد يوم انحسر الزائرون إلا قليلًا. ومع كل ما أصابها ويصيبها تراها حامدة شاكرة رغم كل المحن. شغلها الشاغل مداراة الناس وجبر الخواطر.

أمي تركتني ومضيتِ. لو تعلمين كم أحبك؟ أحبك كثيرًا جدًا. أشتاق إلى من يسمعني بلهفة. من سيغمرني في بحر حبه إلا أمي! يا نور قلبي، وترياق أحزاني، وزهو أوقاتي. يا عطر الصفاء، ونبع العطاء.

أمي كيف أراكِ؟ هل تأتي تطرقي بابي؟
ليتك تأتي!
فوا أسفاه، أين الصبر؟
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18].


error: المحتوي محمي