كان هاجس الزمن يهيمن عليّ في طفولتي وفي سنوات شبابي؛ الساعات تمر ببطء والسنوات بعيدة جدًّا. متى أكون في عمر العشرين؟ متى عمر الأربعين؟ متى تنتهي فترة العمل وتأتي مرحلة التقاعد؟ كلما مرت سنة فرحت. من المؤكد أن الساعة لا تزال تساوي ستون ثانية والسنة تساوي ثلاثمائة وخمسة وستون يومًا لكنني الآن - في عمر الستينات - أصبحت أشعر أن الوقت يمرّ أسرع. أسرع من البرق!
كيف ومتى أتى هذا التغير في الشعور؟ أظنه تسلل تدريجيًّا مع الزمن ومع مشاغل الحياة، ساعةً بعد ساعة، يومًا بعد يوم، ثمّ عامًا بعد عام حتى وصل إلى أعماق يقين الفكر لاحقًا!
يا مَن بِدُنياهُ اِشتَغَل * وَغَرَّهُ طولُ الأَمَل
المَوتُ يَأتي بَغتَةً * والقبرُ صندوقُ العَمَل
- الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام -
عندما نفكر في قصر إقامتنا في الدنيا حينئذ نرى الأمور على حقيقتها؛ الأكل، السفر، الجنس، الصداقات، كل متعة تصبح قصيرة جدًّا. طول عمر الإنسان في الدنيا قال عنه رسول الله صلى الله عليه وآله: "ما لي والدنيا! إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب مرّ للقيلولة في ظلّ شجرة في يوم صائف ثم راح وتركها".
بعد كم دقيقة أو ساعة يزول ظلّ شجرة في فصل الصيف؟ كم ساعة يقيل المسافر قبل أن يمضي في سفره؟
يا للأسف عندما يكون الزمن والساعة شاهدان عادلان ضدي في محكمة الله. الساعة الجميلة في معصمي تتحول إلى سجلّ من الأيام والسنوات. أياما وسنوات كنت منشغلًا فيها بلا شيء! تصور أنني كنتُ منشغلًا بلا شيء؟ مال، سفر، راحة!
إلى أين ينتهي المشوار؟ نحن نعرف إلى أين ينتهي، لكننَا نتصرف ببلادةٍ وكأننا لا نعلم!
هل تريد أن تقول أن الدنيا ليس لها قيمة؟ تريد أن تقول أنّ الدنيا لا تساوي شيئًا؟ لا! أبدًا! هذه المسألة لا علاقة لها بقيمة الدنيا إنما الحديث عن مقارنة مدة الدنيا بالآخرة التي تساوي "صفر" عندما نقسم مدتها الزمنية على مدة الآخرة الزمنية. ثمّ هذه المدة القصيرة جدًّا (صفر) تتحكم في مدة زمنية تساوي ما لا نهاية (∞).
عن الإمام الصادق عليه السلام: عاش نوح عليه السلام ألفي سنة وخمسمائة سنة، منها ثمانمائة وخمسون سنة قبل أن يبعث، وألف سنة إلا خمسين عاما وهو في قومه يدعوهم، ومائتا سنة في عمل السفينة، وخمسمائة عام بعد ما نزل من السفينة ونضب الماء، فمصر الأمصار وأسكن ولده البلدان. ثم إن ملك الموت جاءه وهو في الشمس فقال: السلام عليك، فرد عليه نوح وقال له: ما جاء بك يا ملك الموت؟ فقال:
جئت لأقبض روحك، فقال له: تدعني أدخل من الشمس إلى الظل؟ فقال له: نعم، فتحول نوح عليه السلام ثم قال: يا ملك الموت! فكأن ما مر بي في الدنيا مثل تحولي من الشمس إلى الظل، فامض لما أمرت به، قال: فقبض روحه عليه السلام.
كم ثانية نحتاج لكي ننتقل من الشمسِ إلى الظل؟ اثنتين؟ ثلاث؟ هذا ونوح عليه السلام بقي ما بقي في الدنيا، كيف إذن بمن لا يصل عمره مئة سنة في أفضل الأحوال؟



