الثلاثاء، التاسع من أيلول/ سبتمبر 2025م، زرت طبيبًا في مدينة الرياض. سأخبركم عن الطبيب الرائع لاحقًا لكن قبل ذلك أخبركم أين زرته!
عادة ما يكون الطبيب المختص في مشفى، تضرب معه موعدًا قبل أسابيع ثم تؤكد الموعد قبل الحضور. تدفع مبلغًا قدره وعده قبل الدخول. المشفى مبنى ضخم تضيع في ردهاته وممراته، يعجّ بأصوات المراجعين والأطباء والممرضين والعمال. جدران المشفى بهت لونها البنفسجي الأصلي، شهادة أن مئات أو آلاف المرضى تركوا بصمات أصابعهم على الجدران أملًا في العافية.
الطبيب رجل كبير السنّ، أصله من بلد أجنبي. في رقبته سماعة، فوق أذنيه نظارة سميكة تدل على تعب السنين. لا تفهم منه شيئًا لأنه يتكلم لغةً خاصة، خطه لا أحد يقرأه سوى الصيدلي الحاذق.
أما هذا الطبيب الحاذق الشابّ الذي زرته فقد حاز على إجازة الطبّ من أرقى الجامعات والمستشفيات. زرته في شقة ليس فيها من مناظر المشافي أي أثر سوى طاولة اجتماعات وكراسٍ. لم يسعه أن يراني في المشفى لضيق الوقت وأعطاني من وقته الخاص في الساعة الثالثة بعد الظهر. كل ذلك دون مقابل!
كم عمرك؟ ضع رجلكَ هنا، ارفعها قليلًا، مدّ أصابعك، اضغطها! أها! أنت يلزمك راحة ورباط مدة شهر كامل وإلّا! وإلا ماذا يا دكتور؟ قد يزداد الأمر سوءًا!
اشتر هذا الغرض من أقرب مكان والبسه شهرًا كاملًا ثمّ تتعافى بإذن الله!
أحسّ الطبيبُ من نظراتي أنني مرتاب -نوعًا ما- من تشخيص الحالة والدواء! أشعة من هاتف نقال في شقة وفي دقائق قليلة كيف عرف الطبيب المرض؟
أنت تشك في التشخيص؟ لا يا دكتور لكن. طيّب، طيّب!
ما أردت أن أضعه في فكرك -القارئ الكريم والقارئة الكريمة- أن لباس الطبيب والمشفى كان مهمًّا بالنسبة لي إذ إنني لم أعتد أن يفحصني طبيبٌ في مكان خاص وفي ملابس عادية ويعاملني مثل أب.
نحن نربط المظاهر بأشياء كثيرة؛ لباس الطبيب، عمة الشيخ، قلم المثقف، نزاهة التاجر، إخلاص العامل، أشياء نربطها بدلالات قد لا تكون موجودة! الطبيب الحاذق هو نفسه وإن لبس سروال نوم! الطبيب الغشاش هو ذاته وإن علّق خلفه شهادة من أعرق الجامعات! المثقف هو نفسه وإن لم يحمل قلمًا!
نرى الطبيب أو الأستاذ خارج المشفى والمدرسة ولا نعير أيًّا منهما التفاتة احترام! أما في المشفى وحين نكون بحاجة، ليس بالضرورة بين الحياة والموت، يكون للطبيب مكانة أرفع! ليس في زماننا هذا فحسب، إنما في كل زمان، انخدع الإنسان باللون والمظهر وانغشّ به عن الجوهر والمحتوى. إنما في زماننا تفشت ظاهرة الحكم على الناس من المظهر دون اعتبارٍ للجوهرِ والذات.
خلاصة الحديث: إذا حكمتَ عليّ من ثيابي قد لا أساوي في نظركَ فلسًا واحدًا فليكن حكمك عليّ من وراء عقلي ومنطقي! "المرء مخبوءٌ تحت طيّ لسانهِ لا تحت طيلسانِه".



