12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

ولا يزال الاستفزاز مستهجنًا

قرأت ذات مرة للمهاتما غاندي: "عندما تكون على حق تستطيع أن تتحكم في أعصابك، أما إذا كنت مخطئًا فلن تجد غير الكلام الجارح لتفرض رأيك"، لعل غاندي قد نجح في السيطرة على أعصابه بالمواظبة على الرياضة الروحية والابتعاد عن مغريات الحياة فجاءت كلمته هادئة عقلانية، ولقد تمكن من إقناع شعبه هائل العدد بمبادئه وأحدث علامة مميزة في تاريخ الهند حين منحها استقلالها وحريتها.

تحية تقدير واحترام للقراء الكرام ولمستنشقي صدق كتاباتي، لقد كنت بحاجة إلى أن أختلي بنفسي لأكتب لحاجتي للكتابة حيث أعددت نصًا وأرسلته يوم أمس للنشر وفجأة تراجعت، وهو تفسير ليس في صالح الكاتب المسكون بالإحساس والممتلئ بالصدق. بعد حين وآخر أدرك أنني لست فاضية إلا عن الكتابة! وإنما أكتب ما أشعر به لازمًا وضروريًا عند الكتابة الأكثر تحضيرًا هذه اللحظة، ولكني أيضًا أستشف من الاحتكاك المباشر بالحياة والمجتمع، من شأنه أن يحفز الكاتب ويجعله في حالة توهج دائم، وإن المشاعر التي أبثها هي من طبيعة النص التي تدهشني وتعصر قلبي، آملة ألا تكون فكرة النص مستفزة. لا أدري إن كان يحق لي أن أكتب نصًا يشبهني بطريقة ما، قد يجده القارئ مبهرًا من جهة أخرى، فأنا أسكن نفسي لأبحث عن السكون عند الكتابة التي تراوغني وتراودني.

كم نحن بحاجة لترجمة جراحنا وأوجاعنا عبر كتاباتنا، ولعله من الصعب الحديث عن الأسلوب الذي يتوخاه الكاتب في إنجاز النص، حيث هناك مشاعر تبقى محبوسة في أنفاسنا ولعلها تكون أجمل المشاعر التي نتمنى البوح بها رغم التحفظ المطلوب، ولعل الصمت عند البعض أمام التعبير عنها يزيدها جمالًا وبهاء، لحظات نكون فيها أحوج إلى البكاء لإيصال أصواتنا الإنسانية، ولعلنا أحوج إلى تخليدها في لحظة الانكسار والخذلان والخيبة، ولعلي أعدها إحدى لحظات الدهشة المليئة بالصدق، وليس دائمًا هناك من نتأثر بهم ومنهم كي نكتب عنهم، ولكن أحيانًا!

·       يستفزني دهشة الكثير من عدم تواجدي في المحافل الأدبية هنا وهناك، وهل مطلوب مني أن أتواجد لكوني مثلًا صاحبة قلم، وهل عدم حضوري مثل هكذا حضور يعيق مسيرتي الأدبية؟ مدركة تمامًا أن الكاتب العربي يواجه ويعاني نقص التحفيز والتشجيع.

·       تستفزني أمور ومواقف كثيرة من حولي تدفعني للكتابة، ألجأ إليها كردّة فعل أو أسلوب غضب تجاه ما أرفضه وأختلف معه، ولكن ما يمنحني الثقة والأمان والسكينة لأخاطب الضمائر الإنسانية، لحظة الوجع والغضب هو قلمي.

·       يستفزني البعض منذ وقت طويل، ويعتقد البعض من معارفي وغيرهن وأنا أرتدي عباءتي العادية البسيطة أنه يجب أن أرتدي ما هو وارد حاليًا لأواكب الغالبية، ويستمررن في إزعاجي ويقلن: متى ستتركينها؟ وبجرأة متناهية يقلن حان الوقت لتركها الآن، أي تجاوز وأي استفزاز هذا! رغم أنه ليس لدي مشكلة في ارتدائي عباءتي البسيطة، والتي تحتاج عمقًا وثقافة روح وفهم للنفس، وهذه العباءة التي تجعلني رائعة ومميزة وأشعر بقوة وثقة عندما أرتديها، تبأ لهكذا استخفاف بخصوصيتي ولاختياراتي مع المعذرة!

·       يستفزّني أن نستمر ونبقى على هذه السطحية التي تستنزف فينا آدميتنا وكرامتنا، ولا نقف عند كل ما هو عميق. وأتعجب ممن يلهث وراء الزيف والوهم والخذلان.

·       يستفزني أن نكون في عداء دائم دون أن نتصالح مع أنفسنا وغيرنا ومع أفكارنا.

·        يستفزني أحيانًا أن نتفاجأ وبلا مبرر بأحقاد خفية وبحسد في بعض القلوب لا يخلو من الأنانية والغيرة هنا وهناك بين البشر.

·       يستفزني أن نقول نعم ونحن لا نملك أي معنى إيجابي لذلك. ولكني صادقة يرضيني أن نعود لطبيعتنا ونبحث في أعماقنا عن مشاعرنا وأحاسيسنا، التي وهبنا الله إياها وأودعها في قلوبنا لنمارسها مع أنفسنا وغيرنا دون تردد ودون حيرة، ويرضيني أيضًا أن ينتهي الجدال بين البشر للمستوى الإنساني.

ولكن صدقًا يستهويني حد الفخر، في هذا الركن الهادئ من جنتي الصغيرة الذي احتضن أفكاري وأحلام طالباتي، أدركت احتواء كل تفاصيل هذا الركن المتواضع بقلبي، فهذا الركن وهدوؤه وإصغاء الجميع، لكني من فترة دامت طويلًا، حين عجزت عن ضم ركني إلى صدري بقلبي، فمن هنا عرفت أنبل وأكرم سيدات وآنسات مجتمعي، لأقضي معهن أوقات الصباح والمساء هنا، الذي يشد الجميع بالحنين إليه دائمًا، أدركت اليوم بعد محاولات اللقاء من جديد مع طالباتي أن لا شيء أجمل وأقرب إلى روحي وأرسخ في ذاكرتي من هذا الركن الذي يشهد قلبي ومثله طالباتي، حينما ننتقل بقلوبنا وأرواحنا بين الأمكنة الموجودة تبقى هناك أشخاص وأمكنة نرتبط بها روحيًا، حيث يكمن سر ارتباطنا بها بذكرياتها وأحداثها وناسها. نعم من خلال رحلة التنقل بين الأمكنة في هذا النص نحاول الإجابة عن هذا السؤال الذي يمكن صياغته بشكل آخر: لماذا نحب هذا المكان وننفر من ذاك؟ ويزداد السؤال قوة حينما نعود إلى مكان غادرناه  وأشخاص افتقدناهم، فإذا بعودتنا نصرخ: إنه نفسه المكان الذي نحب وهؤلاء  الشخصيات الذين نحترم. 

هنا حاولت أن أختصر فكرة النص المتطايرة في ذهني قائلة: لا يصح إلا الصحيح.


error: المحتوي محمي