عندما بدأت المدرسة في بلدتنا لم تكن أحوال الناس المعيشية جيّدة والمدرسة كانت الأمل الكبير، الأمل الكبير جدًّا لدى أغلب الناس أن ينهي الابن الصفوفَ الابتدائية أو المتوسطة أو الثانوية لكي يصبح مدرسًا أو موظفًا.
إذا ضاقت الحال بمصروفات الدراسة وحاجات الأسرة يجري لسان الأم والأب مشحونًا بالأمل: غدًا يتخرّج الولد من المدرسة ونستريح. يحصل ولدنا على وظيفة ونستريح! بكرة تكبر الصغار وتعمر الديار!
لم يكن الابن يحمل حقيبةً قديمة فوق كتفه فيها دفاتر وأقلام وكتب مدرسة، إنما كان يحمل حقيبةً فيها الأمل بالتغيير. التغيير الفكري والاقتصادي والعلمي. الثوب الممزق المرقع يتغير والمنزل القديم يتجدد.
انظر أخي الكريم وأختي الكريمة: أنا وأنت لا بدّ أن يكون لنا في الحياة أمل عالٍ مناسب ولا بدّ للأبناء والبنات أن يكونوا جزءًا كبيرًا من أملنا وحلمنا. أمل أبي أن أكون أكثر منه تعليمًا لا يجوز أن يموت، أمل أمي أنَّ أختي تحمل شهادةً أكبر منها يجب أن لا يموت! أنا أيضًا أشتهي بكلّ قطعة من جسدي أن يكون ابني أكثر تعليمًا مني وشهادة ابنتي العلمية أرقى مني.
نأكل جيدًا، ننام جيدًا؟ هذا ليس كل طمعنا في الحياة. طمعنا أن نتعلم جيدًا، نفهم جيدًا، أن نبني مستقبلًا أفضل. شدَّ ابنكَ إلى المدرسة والعلم، رغبه فيها، اجعل الدراسة ممتعة، اشترِ له كتبًا وقصصًا يقرأها!
من يدري ربما يكون الشخص الذي يخترع شيئًا جديدًا، تنشر الصحف اسمه. أو يصبح رجل الأعمال الذكيّ، أو حتى رجل الدين الذي أنهى المقررات المدرسية قبل أن يصبح طالب علم دين!
لا أتذكر معظم أسماء الأساتذة القدامى لكن أغلبهم كان ذا تعليم بسيط، يكفي متطلبات تلك الحقبة الزمنية ويتناسَب معها. الآن المدرس رجل أو امرأة يحمل شهادة راقية. تغيرت أهداف التعليم! الحياة ساحة فسيحة تحتاج إلى أدوات تناسبها. بنَّاء الأمس أمي، عامل الأمس أمي. اليوم كل مهنة تحتاج إلى حدٍّ أدنى من التعليم ولا حدَّ أعلى من التعليم لأي مهنة في الحياة.
تقدم التعليم وصار ممتعًا أكثر. المناهج في سنوات دراستنا بسيطة. تغيرت المناهج وطرق التعليم لما هو أفضل. ما يدرسه حفيدي في الصف الثالث الابتدائي درستُه بعد عدة سنوات!
أعود لأختصر الفكرة: إذا كان الخيار بين أمرين؛ العلم والجهل، لا تتردد. الشيء الوحيد الذي ينفع في الدنيا والآخرة هو العلم. العلم الذي بإمكانه أن يأخذكَ إلى مرتبةٍ أرقى، مرتبة العمل بالعلم. أما الجهل فليس بإمكانه أن يأخذكَ إلى مكانٍ أبعد وأفضل.
أنا وأنت أيضًا - وإن كبرنا - لا نهمل التعلم والتثقّف. الحمد لله، أعطانا من لطفه وقتًا لأنفسنا بعد أن انتهينا من التزامات العمل فلا يضيع الوقت كله في لا شيء! لا أقول لك: كل جيدًا ونم جيدًا ولكن اقرأ جيدًا.



