بمغادرة الأب بيته، تغادر معه بركة تُدرك متأخرة فهو لا يغادر وحده . يقول الابن وهو يلهث بين عطل كهربائي وتسريب ماء: “من يوم سافرت راحت البركة، كل يوم وشيء يخترب”. جملة بسيطة، لكنها تختصر فلسفة وجود الأب.
لا تعتقد أن الأب مجرد ساكن بين الجدران، إنما هو خيمة تمتد فوق الأسرة كلها. يظن بعض الأبناء أن دوره يقتصر على العمل وتأمين المصاريف، بينما الحقيقة أعمق بكثير. هو عين تلتقط التفاصيل قبل أن تتفاقم، يد تسابق الزمن لتصلح ما انكسر، وصدر يفتح مساحته للأحزان قبل أن تتسرب إلى النفوس.
تأمل مشهد عودته من السفر: يدخل البيت فلا يهرع إلى الأحاديث الطويلة، تجده يطوف بعينه على المصابيح والأبواب وصوت الماء في المواصير. ثم يبدأ من حيث توقفت الأشياء، يُعيدها إلى طبيعتها واحدة تلو أخرى. الأبناء يراقبونه بدهشة: كيف يملك كل هذا الصبر؟ كيف لا يتذمّر من كثرة الأعطال؟ فيبتسم ويقول: “ما دام البيت بخير، كل شيء يهون”.
سرّ البركة في طمأنينة يصنعها وليست في يده وحدها، . الأبناء بعلمهم أن هناك من يسهر على استقامة الأشياء، تقلّ أعطال الحياة، وتصبح المشكلات أصغر حجمًا. البركة ما كانت حدثًا تمر مرور الكرام، وإنما هي انعكاس لروح تبذل بلا انتظار مقابل، وتُمسك بالخيوط المتفرقة حتى لا تتشابك على أهلها.
هذا الحضور يزرع في الأبناء درسًا أعمق من كونه إصلاح قابس أو تبديل "هوز": أن الحكمة تبدأ من مواجهة العطل الصغير قبل أن يتسع، وأن الصبر هو مفتاح كل أبواب مغلقة. ومع الأيام، يتعلمون أن البركة لا تعني المال الوفير أو الوفرة المادية وحدها،يتعلمون أنها تعني وجود من يمنحك ظهرًا تتكئ عليه حين تختلّ الموازين.
ولعل أجمل ما يمكن أن يتعلمه الأبناء أن يحفظوا هذه الخيمة قبل أن يفتقدوها. أن يكون دعاؤهم حاضرًا في سجادة الصلاة: “اللهم بارك في عمر أبي وصحته”. أن يخفّفوا عنه أعباء البيت، فيشاركوه في الإصلاحات الصغيرة، فيشعر أن جهده لم يذهب سدى. أن يمنحوه كلمات الامتنان وهو بين أيديهم، لا أن ينتظروها حين يُفتقد. فالأب لا ينتظر جزاءً، لكن قلبه يزهر حين يرى أبناءه يحفظون خيمته، ويمدّون أطنابها معه بيد العرفان.
الأب خيمة الروح، فإذا سكنتَ تحتها فاحمد الله على الظلّ الذي يقيك، وكن أنت أيضًا عمودًا يثبّت أطرافها. فما من بيت عُمر ببركة الأب إلا كان بيتًا لا تهزّه الريح.



