الحرّ يلهب الوجوه، والرطوبة تخنق الأنفاس، والنفوس تضيق بالانتظار، حيث لا تسمع إلا تذمراً هنا ومشادات هناك، والكل يهرول نحو أقرب ظلّ أو موقف. صراعٌ على بضع خطوات تختصر الطريق إلى مدخل المستشفى.
كان الجميع كذلك، وأنا بينهم… إلا هو. كأن الطقس لا يعنيه. ترك المواقف الأمامية والوسطى وراءه، ومضى حتى أبعد ركن في الساحة، حيث لا ظلّ ولا شجرة ولا جدار.
ترجّل بهدوء، واستقام في مكانه، ثم أدار جسمه باتجاه القبلة، ورفع يديه بخفاء إلى السماء. بدأت شفتاه تتمتمان بدعاءٍ لا يسمعه إلا الله…
الناس من حوله يركضون إلى الداخل هربًا من الحرّ، يلعنون الطقس ويشتمون الشمس، أما هو فبقي ثابتًا، كأن الحر والرطوبة لا تعنيه.
ثم أدار جسمه نحو الجنوب، حيث المدخل الرئيس للمستشفى، ورفع رأسه إلى الأعلى، ناظرًا بعمق إلى الواجهة الزجاجية للمستشفى، والدموع تكاد تنهمر من عينيه.
لم أحتمل فضولي وأنا أرى ما أرى، لكن كيف لي أن أتدخل فيما لا يعنيني؟
مرّت دقائق، والعرق يتصبب مني، لكن شوقي للمعرفة أنساني حالي كما أنساه هو حرارة الطقس.
اقتربت منه مترددًا، كمن يطرق بابًا بلا جرس فيه.
قلت له بخفة مصطنعة:
ــ أهذا مكان للانتظار؟ ألا تعلم كم درجة الحرارة الآن؟
التفت إليّ مبتسمًا… كم؟ خمسون مثلاً؟
قلت له: خمسون في الظل، أما هنا فلا تقل عن ستين درجة.
ــ دعنا نهرول قبل أن تصيبنا ضربة شمس، فما بنا يكفينا.
وضع يده في يدي مبتسمًا، ودخلنا المستشفى معًا، ثم تفرّقنا؛ كلٌّ ذهب إلى عيادته، دون أن أجرؤ على سؤاله. لكنه ترك لي كلمات قصيرة لم أفهم منها شيئًا.
ظلت أسئلتي تتلاحق:
لماذا وقف هذا الرجل في وسط هذا الحر مرتاحًا وسعيدًا بينما الكل يتذمر ويهرب؟
لماذا كان ينظر إلى الأعلى، إلى الواجهة الزجاجية، ودموعه تنهمر؟
هل هذا مكان أو وقت مناسب للدعاء؟
وبماذا كان يتمتم أصلاً؟
ليته أجاب عن دهشتي أثناء خطواتنا معًا إلى المستشفى بدل الاكتفاء بالاستئناس والدردشة.
وصلنا إلى مدخل المستشفى قبل أن نفترق، لنلتقي مرة أخرى في قاعة الانتظار، أو لنقل جلسة الانتظار… حيث لا توجد قاعة. جلسنا ننتظر، أو بالأصح نغرق في بحر الانتظار. ساعة أو أكثر، من أجل خمس دقائق مع الطبيب، وربما أقل. والأطباء – وفقهم الله – دائمًا محاصرون بانشغالات لا تترك لهم متسعًا للإصغاء.
حدثت نفسي أن الفرصة عادت مرة أخرى لأعرف سر هذا المريض. تحركت وجلست بجانبه، لكن ما إن بدأت الحديث معه حتى نودي باسمه للدخول. وضاعت الفرصة الثانية كما ضاعت الأولى لمعرفة سر هذا المريض… وما أكثر أسرار المرضى.
بعد دقائق قليلة دخلت أنا أيضًا على الطبيب، ثم ذهبت إلى قسم الأشعة في الدور العلوي، لأغادر المستشفى من غير البوابة التي دخلت منها.
شاءت الأقدار أن أراه مرة ثالثة أثناء خروجي، واقفًا بسكون أغرب من وقوفه في وسط المواقف. رأيته أمام كنبة يجلس عليها مريض بلباس المستشفى، قنينة المغذي في يده اليمنى، وأنبوب التغذية في أنفه، وبجانبه ممرضة تراقبه. مرةً ينظر إلى الكنبة والمريض، ومرةً أخرى إلى الخارج من خلف الزجاج، والدموع تملأ عينيه.
اقتربت منه وسألته:
ــ هل هذا ما كنت تنظر إليه عندما كنت واقفًا في وسط المواقف؟
أطرق رأسه، وتمتم بكلمات لم أفهم منها إلا: "الحمد لله".
ثم رفع رأسه، وعيناه تتلألآن بفرح وارتياح، وقال لي:
ــ في مثل هذا اليوم من السنة الماضية كنتُ أنا الجالس على هذه الكنبة، وحالي ليس بأفضل من حال هذا المريض. هل زالت دهشتك الآن؟
دعوت الله يومها وأنا على هذه الكنبة، أرى الناس يمشون في المواقف. دعوته بلا وضوء ولا مستقبِل للقبلة، أن يمنّ عليّ يومًا بالمشي بينهم، حتى لو كان الطقس لا يُطاق. فاستجاب الله دعائي.
همسة مريض:
الدعاء المستجاب لا يحتاج دائمًا إلى وضوء، ولا إلى استقبال القبلة…
يحتاج قلبًا نقيًا، ويقينًا صادقًا أن الله هو الشافي وحده.



