مع بداية السنة الدراسية ورؤية أحفادي مبتهجين بالذهاب إلى المدرسة بعد انتهاء إجازة الصيف تذكرت كم كانت المدرسة ترهب قديمًا. على الأقل بالنسبة لي كانت كذلك!
قبل أن نذهب بعيدًا في الحكاية القديمة أقول لك بكل صراحة: أنا لست مع استعمال العصا في الصفّ الدراسي ولا أي شكل من إهانة الطالب. كانت العصا موجودة في زماننا ولكل زمان عدة شغل. العصا والإهانة ليستا أدوات تعليم.
قام أخي المرحوم ملا أحمد الوحيد بتسجيلي في صفوف مدرسة الغَالي الابتدائية في جزيرة تاروت. هكذا اسمها كان آنذاك "الغالي". لكن لا أعرف لماذا كنت مرعوبًا من حضور الصف. أغلب الظنّ أنه لم تكن آنذاك مقدمات لحضور المدرسة مثل روضة أطفال ولم أحضر دورات تحفيظ القرآن وكذلك الصف كان خليطًا من الأطفال صغار السنّ ومن شبّان أكبر عمرًا التحقوا بالمدرسة متأخرين.
قررت عدم الدخول إلى الصف والبقاء مختبأً بين النخيل حتى انصراف الطلاب. يوم أو يومين، لا أعرف كيف ومن نقل نبأ التسيب والهروب إلى أمي رحمها الله تعالى ومن ثمّ أظنّ أنها أو أحد غيرها أخبر المرحوم أخي بحادثة الهروب. تفاجأت وأنا جالس على جذع نخلة سقطت أنتظر خروج الطلاب بحضور أمي وأخي للقيام بواجب التذكير بأهمية الحضور إلى المدرسة.
لم تسقط رطبة أو ثمرة من نخلة أو شجرة فوق رأسي لأكتشف نظرية الجاذبية مثل آينشتاين ولم يتساقط الرطب جنيّا كما في ولادة مريم بعيسى النبي عليهما السلام إنما كان شيئًا آخر ذكرني بالانصراف نحو الدرس.
حضرت الصف في اليوم التالي ولم أتغيب. أكملت الدراسة الابتدائية وما بعدها ولا أزال أشكر أخي المرحوم وأمي على هذه اللفتة الكريمة. تغيرت أساليب التعليم كثيرًا عما كان ذي قبل. كان العقاب الجسدي والعصا شيئًا عاديًّا في وقتنا. مع كل ذلك لا أظن أن أي مدرس أو أستاذ ترك في نفسي أثرًا سيئًا. إنما كلهم تركوا أثرًا طيبًا ولا أزال أكنّ لهم أحياءً وأمواتا الودّ الجمّ والاحترام والتقدير. لم يكن المدرسين كلهم يحملون عصا، إنما كان فيهم رحماء يعامل التلاميذ الصغار مثل أبنائه بل أكثر.
يقال في المثل العربي: رب ضارة نافعة. بعض التجارب صعبة ومؤذية في حينها إلا أن النتائج نافعة. قد تكون التجربة التي لا تقتلك تقويك. كان أحد المدرسين رحمه الله ذا قلب طيب لكنه كان يبالغ أحيانا في استخدام العصا دون قصد الأذى إنما كان اعتقادًا منه أن العصا تضبط الصف وتجبر الطلاب على فهم الدرس.
أعان الله المعلمين والمعلمات خصوصًا في المراحل التعليمية الأولى؛ اجلس، اصمت، تعال، استيقظ، حركة دؤوبة تحتاج إلى كم من الصبر!



