12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

وسادتي.. "3"

    استمرَّ هذا الهجران إلى نهاية الدراسة، والتي تختزل الأربع سنوات من الجهد، وجاء الفصل الدراسي الأخير في حياتهما الجامعية، هُما سيتخرجان، وهو مُتأخر عنهما بفصل دراسي؛ وذلك لتعثره في إحدى المواد.

 كان في السنة الثالثة، وباقي على تخرجه عام واحد، فحدث ما لم يكن في الحسبان، حيث تعرض والده إلى الفصل من عمله، وهو الذي بين يديه أسرة عدد أفرادها ثلاثة عشر فردًا من الذكور والإناث.

 كان وضعه لا يُحسد عليه، فالوضع المادي للأسرة كان سيئًا جدًا، فكيف له أن يُكمل دراسته ووالده يعيش هذا الوضع، فقرر أن يترك الدراسة الجامعية، ويقوم بالعمل كي يُساعد والده على توفير ما تحتاجه الأسرة.

 القلق، التوتر، الخوف من المُستقبل، اتخاذ قرار، سيكون المُفصل في حياته، ومُفترق طريق، هذه الحالة أرهقت جسده، وأضنت رُوحه، وكبلته بالصمت المُؤلم، كان يقضي الليل وحيدًا، بينما زُملاؤه، يغطون في النوم، كان يُحدق مليًا في جدران هذه الشقة التي تحتويه الآن، وكأنها تكتم على أنفاسه، فيُصارعها كي يتنفس، وكأنه يستنطقها، يغرز عبر ألوانها، شُقوقها وجعه، وأنينه.

 في مُنتصف الليل، كان واقفًا، يتكئ على الجدار، مُغمضًا عينيه، قابضًا على يده، خرج أحد زُملائه من حُجرته، مستيقظًا من النوم، ومتوجهًا إلى دورة المياه، سأله عن سبب وقوفه ها هُنا في هذا الوقت المُتأخر، والذي ينبغي أن يكون فيه على فراشه، مُستغرقًا في نوم عميق، استعدادًا ليوم جديد بين ردهات الجامعة، نقطف من بُستانها المعرفة، كحُبيبات النَّدى في صباح شتوي البهجة، فأجابه: اسأل الله، يا صاحبي أن لا يضعك في موقف لا تعرف كيف تتصرف فيه، ومضى عنه؛ ليتركه مُحدقًا فيه، وغارقًا في لجة الأسئلة التي قذفها في ذاته، كجواب مُباغت لم يكن يتوقعه.

 وتُريد أنت، ويُحيك لك القدر، مُكتسيًا بالرحمة واللطف، ما هو خير لك.

 هذا الصباح، يختلف عن كل الصباحات التي مضت، فقد قرر الخروج من الجامعة؛ لتنتهي كل طُموحاته، وما رسمه إلى حياته المُستقبلية.

 توجه إلى الجامعة، كانت خُطواته لا مشاعر فيها، لا يُدرك من خلالها سوى تقلص المسافة شيئًا، فشيئًا، وهذا ما لم يعتد عليه، ولم يتبعه فيما مضى، كالأمس القريب، فإن لديه علاقة توأمية مع هذه الخطوات، فكلما لامسته الأفكار، أو اجتاحته المشاعر المُحملة بالأسى، كانت هذه الخطوات بلسمه، ورحيق أنفاسه، والوسادة التي تستريح فيه أفكاره، وتهدأ فيه أنفاسه القلقة والمُتوترة، والنافذة التي يُشرق منها ضوء الحياء، المُبشر بصبح مُشرق، تزفه زقزقة العصافير إلى حيث الرغبة العارمة، المكبوتة في داخله.  

 كثير ما نشتاق إلى تلك الأشياء التي تُبلسم جراحنا وأنيننا، هذه الأشياء التي قد تكون بسيطة، وبسيطة جدًا، ولكن لها فعل العلاج لما نحن فيه، هذا كله يحتاج أن نلتفت إليها؛ لنُدركها؛ لنجذبها إلينا.

 وجاء اللقاء مع ظله دون سابق إنذار، أو موعد أبرم على وقع حديث، يُرتجى، أو لهفة اشتياق، فوقف مُستدركًا عند بوابة الجامعة الرئيسة، وخُطواته أصابها التقهقر، وأحسَّ بهُدوء في أنفاسه ونبضاته، وأجابه: نعم، معك كل الحق.


error: المحتوي محمي