12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

حين سبقنا بالعطاء 

في إحدى زياراتي لمملكة البحرين الشقيقة، وفي شهر أغسطس المعروف بشدة حرارته ورطوبته في منطقة الخليج العربي، كنت برفقة زوجتي نتسوق. 

وعند عودتنا، وصلنا بالقرب من مجمع الأفنيوز وتوقفنا عند إشارة المرور.

لفت انتباهنا شاب، يبدو في العشرين من عمره، يتجول بين السيارات المتوقفة وبيده عبوات ماء، يلوّح بها نحو السائقين لعلّ أحدهم يشتري منه. كانت ملابسه مبللة من شدة الرطوبة، وعرق يتصبب من جبينه، وملامحه شاحبة، وبشرته مسمرة من أثر الشمس الحارقة.

التفتت إلي زوجتي وقالت: “هل معك بعض المال لنشتري من هذا الشاب عبوة ماء ونعطيه الباقي كصدقة؟ لعلّه محتاج، وهذه طريقته في كسب المال ليكفّ يده عن سؤال الناس.”

وافقتها الرأي، وأخرجت مبلغًا بسيطًا من محفظتي، وأشرت إليه بيدي ليقترب، لكنه كان متجهًا نحو الرصيف. خشيت أن تفتح الإشارة ويفوتنا مساعدته، فأخرجت يدي من النافذة ولوّحت له مع إطلاق تنبيه السيارة. التفت نحونا، ومسح العرق عن وجهه، وجاء مسرعًا وهو يحمل حزمة كاملة من الماء مكونة من اثنتي عشرة عبوة.

فتحت زوجتي النافذة، وطلبت منه عبوة واحدة، وأعطته المبلغ. كنا نتوقع أن يفك الحزمة ليعطينا واحدة فقط، لكن المفاجأة أنه وضع الحزمة كاملة داخل السيارة، وقال مبتسمًا: "عليكم بألف عافية.”

ثم انصرف بسرعة، عابرًا بين السيارات، وهو يلوح لنا بإشارة السلام. حاولت أن أناديه ليعود ويأخذ بقية الماء، لكن الإشارة تحولت إلى اللون الأخضر، وتحرك الجميع، فتحركت معهم وأنا في دهشة مما حدث.

ساد الصمت لبرهة، حتى قطعت زوجتي هدوءنا بقولها: “كنا نظن أننا سنساعد هذا الشاب وننال الأجر من الله، لكن يبدو أنه هو من أراد أن يكسب الأجر، بتوزيع الماء على الناس في هذا الجو الحار.”

ومنذ ذلك اليوم، كلما تذكرت وجهه المبتسم تحت أشعة الشمس، أدركت أن الكرم الحقيقي لا ينتظر المقابل، وأن أحيانًا من نمدّ لهم يد العون… هم في الحقيقة من يمدون لنا قلوبهم.


error: المحتوي محمي