عقود تُرهق النادي… كيف أنهك عقدٌ واحد مستقبل عدة ألعاب؟
في القديح، ليس للنادي سورٌ يفصل بينه وبين أهله، ولا سياج يُغلق قلبه عن شارعه.
نادي مضر، هذا الكيان الذي نشأ من الرمل والعرق والصبر، لم يكن مجرّد قاعة وصالة وملعب، بل ذاكرة جماعية تُمارس الرياضة كأنها طقس حياة.
لكنه اليوم يقف على حافة مفترق حساس: أن يبقى شامخًا متعدد الألعاب كما كان… أو أن ينكمش تحت ضغط لعبة واحدة، وتعاقد واحد، وعقدٍ يُسجَّل بقيمة، ويُسدَّد بثمن مستقبل.
العقود… والعبء الذي لا يُرى في لوحة النتائج
في السنوات الأخيرة، وبعد القرارات التنظيمية التي جعلت التعاقدات إلزامية لجميع اللاعبين – محليين ومحترفين – اندفع بعض الأندية، ومنها مضر، إلى سباق استقطاب باهظ التكاليف. ظنًّا أن النتيجة تُشترى… وأن النجاح يُستورد.
لكن الحقيقة ظهرت ثقيلة.
عقد واحد أصبح يأخذ من موازنة النادي ما يُفترض أن يغطي خمس ألعاب.
والأدهى: أن مستوى بعض المحترفين لا يُوازي أداء لاعب محلّي نشأ في الحارة، وتدرّب تحت أشعة شمس القديح، يعرف جمهور المدرج بأسمائهم، ويرتدي شعار النادي في العيد والصيف والبطولة.
كرة اليد… تأكل ما تبقّى!
من المؤلم أن نقول ذلك، لكن الحقيقة أن لعبة كرة اليد، مع مكانتها التاريخية العالية في نادي مضر، أصبحت عبئًا ماليًا هائلًا، لا لذنب اللعبة، بل لسوء التخطيط وضعف إدارة التعاقدات.
التركيز الكثيف عليها أرهق ميزانية النادي، وأدى إلى تجميد أو تهديد ألعاب أخرى، كانت تُمثّل المنفذ الوحيد لعدد كبير من المواهب: كرة السلة، الطائرة، تنس الطاولة، ألعاب القوى، الدراجات، الجمباز…
فما أكثر ما يُقال داخل أسوار النادي اليوم: “ماتجيب تعبتها!” أي أن المردود الفني والمالي لبعض هذه العقود لا يوازي ما يُصرف عليها.
تجارب من الذاكرة… لا من الورق
النادي، قبل امتلاك صالته، كان يتنقّل بين صالات متعددة – من بينها صالة الألعاب بالقطيف، وصالات بعض المدارس – بفضل تنسيق رائع من شباب وزارة الرياضة، الذين كانوا يتصلون فور توفر فرصة تدريب.
حتى اليوم، لا تزال الفئات السنية تتدرّب أحيانًا في ساحات المدارس، وفرق السلة تبحث عن متّسع في الظل أو فسحة بين صالة وصالة.
من هنا تبدأ الفكرة: لا مدير ألعاب… بل مدير مالي
ما يحتاجه النادي الآن ليس نجمًا جديدًا، بل عقلًا اقتصاديًا استراتيجيًا.
مدير مالي محترف، يضع خطة تمتد لثلاث سنوات أو خمس، يوازن فيها بين المصروفات والإيرادات المتوقعة، ويرفض أن يُدار النادي على وعود لعبة أو تعهد من اتحاد بدعم ربما لا يصل.
لا يجب أن تُصرف الميزانية بناءً على توقعات من إدارة لعبة… بل على ما يصل فعليًا إلى صندوق النادي.
كما حدث في كرة القدم، حين أُهلك النادي بسبب ميزانية غير مدروسة، فاضطر لإلغاء عقود لاعبين وتأجيل أول جولتين من الموسم.
والأدهى من ذلك، أن النادي لا يشمل دعم الحوكمة، كحال أندية أخرى في القطيف، ما يضعه تحت ضغط مالي مضاعف.
إدارة داخلية… ومقترحات مرفوضة
في لحظة من لحظات الأزمة، طُرح اقتراح جريء:
أن تُسلَّم إدارة النادي لجهة خارجية احترافية تتولى التخطيط المالي والتشغيلي.
لكن الاقتراح قوبل بالرفض.
وبقي النادي في نفس الدائرة المغلقة.
ومع وجود عقول خبيرة متاحة للعمل كمستشارين – بعضهم بنظام الساعة – لم يتم الاستفادة منهم.
بل إن بعضهم لا يُستدعى إلا لسؤال واحد:
“تقدر تعطينا سلفة؟”
فُوِّتَت الفرصة لا بسبب قلة الأشخاص، بل بسبب غياب الإرادة الجادة في الإصلاح.
دعم الدولة… لا يُطلب ولا يُفعّل
هناك مؤسسات مُعتمدة لرفع درجات الحوكمة وضمان تمويل حكومي مشروط يُخفف العبء المالي ويخلق بيئة مؤسسية.
لكن النادي لم يتعاون مع هذه المؤسسات بالشكل المطلوب، وفقد مصدر دعم كان يمكنه أن يُحدث فرقًا واضحًا، لا بسبب قلة الحيلة، بل بسبب ضعف الرغبة في الانفتاح المؤسسي.
الدوري الممتاز… سقف لا يُلامس
معايير الممتاز أصبحت ثقيلة جدًا على كاهل نادٍ كـ”مضر”، لا يملك دخلًا ثابتًا، ولا استثمارًا عقاريًا مؤثرًا.
رواتب اللاعبين باتت فوق الطاقة.
وبعض اللاعبين لم يستلموا رواتبهم لعدة أشهر، وقدّم بعضهم شكاوى وكسبها رسميًا.
أين نذهب من هنا؟
نحتاج لوقفة. عقلانية. حقيقية. مسؤولة.
ما الحل؟ فكرة لا سلفة
المؤلم أن بعض الشخصيات المحترفة تُستدعى فقط لطلب المال، لا لسماع الأفكار. وهذا تفريط خطير في الموارد الفكرية للنادي.
فمن يُطلب منه المال، قد يكون لديه نموذج خطة أو رؤية استثمارية أو وسيلة إنقاذ غير مباشرة… لكن النادي يُصر على تجاهل العقل، ويُلهث خلف الجيب.
الحلول: أفكار ناضجة… من قلب الجمهور والمحبين
1. مدير مالي بخطة ثلاثية أو خماسية
يضع ميزانية تشغيلية واستثمارية، ويُفعل الشفافية مع الجمهور والمحبين، لا استجداء، بل شراكة.
2. استثمار الواجهات والمرافق
تحويل واجهات الملاعب إلى محلات ومعارض تؤجّر بعقود طويلة وتُدر دخلًا ثابتًا.
3. تقسيم الصالة وجدولتها
مشاركة صالة اليد مع الألعاب الأخرى في أوقات مدروسة ومنظّمة.
4. شراكات ذكية مع المدارس والأندية المجاورة
استخدام ملاعب المدارس والملاعب المناسبة والمتعاونة في فترات الفراغ.
التعاون مع مدينة الأمير نايف الرياضية في القطيف بصورة عامة لتقليل الضغط على مرافق النادي.
5. تمكين الجمهور كمشارك لا مشجع فقط
الجمهور طاقة فكرية، لا عاطفة فقط.
يجب أن يُستفاد من عقولهم قبل جيوبهم، عبر مشاركتهم في وضع التصورات، وليس فقط طلب التبرعات.
القوة الكبرى… في الجمهور
أكبر كنز في النادي ليس اسم لاعب… بل اسم الجمهور.
جمهور مضر لا يتكوّن من الصفّ الأول في المدرج فقط، بل من أساتذة ومدربين ومحللين وأطباء ومحاسبين، بل ومن حملة شهادات في الإدارة الرياضية والمالية.
ومع هذا… يُستبعد بعضهم فقط لأنه صريح، أو لأنه شعبي وله قبول عام.
وإذا غُيّبت الشعبية عن صناعة القرار… فذلك خطأ لا يدفع ثمنه إلا الكيان.
الخاتمة: النادي ليس قضية… بل مستقبل
لم تُكتب هذه المقالة للعتب، ولا للهجوم، بل لفتح بابٍ للنقاش، وإشعال شمعة وسط هذا الركام.
النادي كيان تربوي، اجتماعي، رياضي، وطني وإدارة مخلصة تريد الرفعة للكيان والبلدة ليس إلا ذاك. ولكن.. إذا لم نُصلح هذه المنظومة اليوم، فسوف نضطر غدًا لإغلاق الأبواب، لا تأجيل المباريات فقط.
فكروا قليلًا…
بِمَ كان يُدار النادي قبل هذه العقود؟
وكيف تميّز بمواطنيه لا بمحترفيه؟
ولماذا نخجل من الحقيقة، وننكر أن فينا القدرة… لكننا تركناها معلّقة؟
أغلى ما في النادي… ليس أغلى لاعب، بل بقاء اللعبة للجميع.



