كم أرثي على البعض من الذين يحملون أسفارهم، ويطرقون أبواب الفضاءات، ويحفرون أطباق الأرض، فقط لإيجاد زاوية هنا أو مساحة هناك ليُلمِّعوا فيها أسماءهم الباهتة، بما يهرفون.
لا أدري لماذا يشغلون أنفسهم بما يفور منها، فينتقدون هذا، ويسفهون ذاك، ويسقطون من يتجرأ على الإمساك بالقلم أو نقر مفاتيح الحاسوب، ظانين أنهم الوحيدون الذين يملكون أسرار الأبجدية، وعصارة الأفكار.
يتشكلون دون ثبات على منهجية، فمرة كاتب، وأخرى قاص، وثالثة شاعر، ورابعة وخامسة وسادسة أديب وناقد وناثر وناشر، وهم عن ذلك أبعد من النجوم للأرض.
يحومون حول التطبيقات وعالم الميديا، فقط وفقط لينشروا ما يهرفون أينما تأتت الفرصة ووجدت المساحة لا لشيء سوى الانتشاء والزهو والافتخار بالنفس ولا غير.
يا أنت، يا هذا، اهرف بما تريد، ودع عنك غيرك، فليس من حقك التعدي على البشر، وإن بالتعميم، فكما أن لك الحق بالكتابة والطباعة، وتوزيع أسفارك على من تشاء فإن من حق غيرك ذلك، ولا حكم لك عليه، الحكم للقراء وماذا ولمن يقرؤون، وليس من حقك أن تسقِّط غيرك وأنت تنتهج الطريق نفسه، فقط ليخلوا لك المكان الذي تلهث للوصول إليه، وكأن بضاعتك هي الأجود والأنفس، كما يصورها لك عقلك.
أعجب كثيرًا من البعض الذين يلتهمون صفحات الكتب، وإذا بمخرجاتهم لا تساوي قيمة حبرها.
أعجب من ذلك، وهم في سلوكهم ومظهرهم ومخبرهم أسوأ بمراحل مما يرمون به غيرهم.
أعجب من ذلك، حيث تظل عقولهم كما هي للأسف، رغم التهامهم ما هب ودب من العلوم والثقافات المختلفة؛ والحصيلة عقلية متخمة بالتعقيدات وشخصية فرعونية مضطربة.
ختامًا: إني هنا أشيد بكل من يكتب، وفي أي مجال يرى نفسه فيه، إنه يخوض التجربة، يعمل على تطوير نفسه وهوايته، ولست أنا من يحكم عليه، بل من يقرأ له، وينشر له، ولا شك أن له من يقرأ، والكتابة ليست حكرًا على أحد متى ما وجدت لديه الإمكانية والقدرة.
فلنشجع بعضنا، مثلما نشجع أبناءنا وأحبابنا، فما ضرنا لو تطورت مواهبنا وتعددت، وما ضر ذلك الذي يقلل من غيره وكأنه المميز الأوحد، أن يشجع الناس على تنمية مواهبهم وملكاتهم، فهم لن يسرقوا منه فكرة، ولن يختلسوا عنوانًا، فما عليه إلا أن يترك عباد الله في حالهم، وإذا طلبوا منه النصيحة والمشورة، فلتكن بالتي هي أحسن، إن كان لديه أحسن من بضاعته المزجاة.



