كان الوقتُ عاديًّا جدًّا… حذاء طفلٍ على طرف السجادة، صوتُ غسالةٍ يسمع صوتها في غرفة الغسيل، مسبحة على طرف المصلى، وطفلٌ صغير يتأمل وجهَ أمّه وهي ساجدة.
لكن العاديّ… لا يبقى عاديًا حين تكون “أمّك” جزءًا منه.
تأملها بعينٍ لا تعرف الغرض من السجود، لكنها تشعر بالسكينة التي تهبط حين تلامس الجبهةُ الأرض. لم يكن يعلم ما تقرأه من سورٍ أو دعاء، لكنه سمع يقينًا في صوتها يشبه صدى المطر على أرضٍ مشقّقة. كان يريد أن يسأل: “ماذا تفعلين؟” لكنه خاف أن يقطع لحظتها مع الله، فاكتفى بأن يسند ذقنه على ركبتيه، منتظرًا نهاية السجدة، كمن ينتظر كشف سرٍّ من أسرار الكون.
وما إن رفعت رأسها، حتى التفتت إليه وابتسمت. سألته برقة:
ــ “ما بك؟”
فقال بصوته الطفولي، وببراءةِ نبتةٍ نَمَت في ضوء قلبها:
ــ “إذا كانت الجنّة تحت قدميكِ… فماذا يوجد فوق رأسك يا أمّي؟!”
لم يكن سؤالًا… كانت دهشةً تجرُّ وراءها ذيولَ الملائكة.
لم يكن طفلًا يتكلّم… كان الكونُ كلّه يسأل معها!
في حياتنا الحديثة، نعلّق صور أمهاتنا في قلوبنا، ونعلّق أعمالنا على أعناقهنّ. نبكي حين يمرضن، ونتظاهر بالقوة أمامهن، نحفظ أدقّ وصفاتهنّ، وننسى أدقّ مشاعرهنّ.
الأمّ ليست مرحلة زمنية، ولا وظيفة أُسريّة، ولا حتى دورًا فطريًا عابرًا.
الأمّ ـ في جوهرها ـ طريقٌ إلى الله.
ألم تقرأ قوله تعالى؟
﴿ووصّينا الإنسان بوالديه﴾ [لقمان: 14]
لم يقل: بصلاته، أو صيامه، بل بوالديه، وخصّ الأمّ بالحمل والتعب والرضاع، كأنّه يقول لنا: العبادة تبدأ من عندها… من قلبها، من دمعها، من صوتها حين تتهجّى في دعائها: “اللهم احفظ ولدي بحفظك واجعله من السعداء.”
نركض لتحسين الصوت في المقاطع، ونغفل صوت أمّنا وهي تنادينا من المطبخ كي لا يحترق الغداء.
نعرف أسماء المشاهير، ولا نعرف كم سورة تحفظها أمّهاتنا!
نحفظ حديث: “الجنّة تحت أقدام الأمهات”، لكننا لا نتأمل: ماذا يوجد فوق رؤوسهن؟
فوق الرأس يا صاحبي…
تُعلّق الأمّ عقلها حين تفكر في مستقبل أبنائها، تُعلّق عليه صور أحلامهم، حتى لو تمزّقت أحلامها، وتضع على هامته دعواتٍ صامتة تهزّ بها أبواب السماء.
فوق الرأس… حيث الشيب الذي لا نراه، لأنه انشغل بنا.
فوق الرأس… حيث الدعاء الذي لم نسمعه، لكنه أنقذنا.
فوق الرأس… حيث المخدة التي سَهِرت عليها ليالٍ من الألم، والخوف، والحبّ، والدعاء.
رأيتُ مرّةً أمًّا تُرضع طفلها وقد غفا في حجرها، ثم استندت هي إلى الجدار وأغمضت عينيها من الإعياء… يدها لا تزال تحيطه.
وحين أيقظها زوجها، كان أول ما قالت:
ــ “وين ولدي؟”
لم تكن تعلم أنها كانت تحمله طوال الوقت.
هكذا هي الأمّ… تذوب ولا تقول “آه”، تنهار ولا تسقط، تحترق ولا تشكو…
ثم يُقال عنها: “الأمومة دور طبيعي”!
والحقيقة؟ كل الخوارق تبدأ منها وتنتهي عندها.
هذه المقالة ليست حكاية طفل وسؤال أمّه.
بل هي حكاية “نحن”.
نحن الذين كبرنا… ونسينا أن أمّهاتنا لم يكبرن بنفس السرعة.
نحن الذين ظنّوا أن سؤال “كيفك؟” يمكن أن تُغنيه رسالة صوتيّة.
نحن الذين لم ننتبه كيف صار صوتها منخفضًا أكثر من المعتاد، وكيف أصبحت تقطع حديثها كثيرًا لتُخفي تنهيدتها.
أقسم بالله… أن بعض الجنّة هو في دعوة أمّك التي لا تعرف تفاصيل مشاكلك، لكنها تشعر بها، وتهمس باسمك في السجود:
ــ “اللهم يسّر له أمره، وفرّج همه.”
ضحكتُ مرّة وأنا أسمع صديقي يقول أن أمّه مرّت خلفه أثناء بث مباشر في مقابلة، فصرخ:
ــ “يمّه لا تمرّين من قدام الكاميرا!”
ضحكتُ… لكنه لم يعلم أن لحظة ظهورها كانت أجمل ما في المقابلة، وأصدق ما في سيرة اللقاء!
نبحث عن شمعة تُضيء لنا حين نطفأ، وننسى أن الشمعة كانت تدعو لنا في سجودها، تضيء دون أن نطلب.
ابني، إن كنت قريبًا من أمّك، فاقترب أكثر…
وإن كنت بعيدًا، فاتصل بها اليوم بلا سبب…
وإن كانت قد عادت إلى أصلها من التراب، فاقرأ لها ما تحفظه من القرآن، لا من أجل الثواب فقط، بل لتُشعر قلبك أنها لا تزال هناك… تُصلّي… ويجلس طفلٌ فيك ليسألها:
ــ “إذا كانت الجنّة تحت قدميكِ… فماذا يوجد فوق رأسك؟”.
ستُجيبك الحياة، بابتسامة لا تُرى،
لكنك ستعرفها من وهج السكينة الذي ينزل على قلبك…
حين تتذكّر أن في سجدةٍ ما، كانت تقول:
ــ “اللهم لا تذرني فردًا، وأنت خيرُ الوارثين.”
وكانت استجابتُها… أنت.
لكن العاديّ… لا يبقى عاديًا حين تكون “أمّك” جزءًا منه.
تأملها بعينٍ لا تعرف الغرض من السجود، لكنها تشعر بالسكينة التي تهبط حين تلامس الجبهةُ الأرض. لم يكن يعلم ما تقرأه من سورٍ أو دعاء، لكنه سمع يقينًا في صوتها يشبه صدى المطر على أرضٍ مشقّقة. كان يريد أن يسأل: “ماذا تفعلين؟” لكنه خاف أن يقطع لحظتها مع الله، فاكتفى بأن يسند ذقنه على ركبتيه، منتظرًا نهاية السجدة، كمن ينتظر كشف سرٍّ من أسرار الكون.
وما إن رفعت رأسها، حتى التفتت إليه وابتسمت. سألته برقة:
ــ “ما بك؟”
فقال بصوته الطفولي، وببراءةِ نبتةٍ نَمَت في ضوء قلبها:
ــ “إذا كانت الجنّة تحت قدميكِ… فماذا يوجد فوق رأسك يا أمّي؟!”
لم يكن سؤالًا… كانت دهشةً تجرُّ وراءها ذيولَ الملائكة.
لم يكن طفلًا يتكلّم… كان الكونُ كلّه يسأل معها!
في حياتنا الحديثة، نعلّق صور أمهاتنا في قلوبنا، ونعلّق أعمالنا على أعناقهنّ. نبكي حين يمرضن، ونتظاهر بالقوة أمامهن، نحفظ أدقّ وصفاتهنّ، وننسى أدقّ مشاعرهنّ.
الأمّ ليست مرحلة زمنية، ولا وظيفة أُسريّة، ولا حتى دورًا فطريًا عابرًا.
الأمّ ـ في جوهرها ـ طريقٌ إلى الله.
ألم تقرأ قوله تعالى؟
﴿ووصّينا الإنسان بوالديه﴾ [لقمان: 14]
لم يقل: بصلاته، أو صيامه، بل بوالديه، وخصّ الأمّ بالحمل والتعب والرضاع، كأنّه يقول لنا: العبادة تبدأ من عندها… من قلبها، من دمعها، من صوتها حين تتهجّى في دعائها: “اللهم احفظ ولدي بحفظك واجعله من السعداء.”
نركض لتحسين الصوت في المقاطع، ونغفل صوت أمّنا وهي تنادينا من المطبخ كي لا يحترق الغداء.
نعرف أسماء المشاهير، ولا نعرف كم سورة تحفظها أمّهاتنا!
نحفظ حديث: “الجنّة تحت أقدام الأمهات”، لكننا لا نتأمل: ماذا يوجد فوق رؤوسهن؟
فوق الرأس يا صاحبي…
تُعلّق الأمّ عقلها حين تفكر في مستقبل أبنائها، تُعلّق عليه صور أحلامهم، حتى لو تمزّقت أحلامها، وتضع على هامته دعواتٍ صامتة تهزّ بها أبواب السماء.
فوق الرأس… حيث الشيب الذي لا نراه، لأنه انشغل بنا.
فوق الرأس… حيث الدعاء الذي لم نسمعه، لكنه أنقذنا.
فوق الرأس… حيث المخدة التي سَهِرت عليها ليالٍ من الألم، والخوف، والحبّ، والدعاء.
رأيتُ مرّةً أمًّا تُرضع طفلها وقد غفا في حجرها، ثم استندت هي إلى الجدار وأغمضت عينيها من الإعياء… يدها لا تزال تحيطه.
وحين أيقظها زوجها، كان أول ما قالت:
ــ “وين ولدي؟”
لم تكن تعلم أنها كانت تحمله طوال الوقت.
هكذا هي الأمّ… تذوب ولا تقول “آه”، تنهار ولا تسقط، تحترق ولا تشكو…
ثم يُقال عنها: “الأمومة دور طبيعي”!
والحقيقة؟ كل الخوارق تبدأ منها وتنتهي عندها.
هذه المقالة ليست حكاية طفل وسؤال أمّه.
بل هي حكاية “نحن”.
نحن الذين كبرنا… ونسينا أن أمّهاتنا لم يكبرن بنفس السرعة.
نحن الذين ظنّوا أن سؤال “كيفك؟” يمكن أن تُغنيه رسالة صوتيّة.
نحن الذين لم ننتبه كيف صار صوتها منخفضًا أكثر من المعتاد، وكيف أصبحت تقطع حديثها كثيرًا لتُخفي تنهيدتها.
أقسم بالله… أن بعض الجنّة هو في دعوة أمّك التي لا تعرف تفاصيل مشاكلك، لكنها تشعر بها، وتهمس باسمك في السجود:
ــ “اللهم يسّر له أمره، وفرّج همه.”
ضحكتُ مرّة وأنا أسمع صديقي يقول أن أمّه مرّت خلفه أثناء بث مباشر في مقابلة، فصرخ:
ــ “يمّه لا تمرّين من قدام الكاميرا!”
ضحكتُ… لكنه لم يعلم أن لحظة ظهورها كانت أجمل ما في المقابلة، وأصدق ما في سيرة اللقاء!
نبحث عن شمعة تُضيء لنا حين نطفأ، وننسى أن الشمعة كانت تدعو لنا في سجودها، تضيء دون أن نطلب.
ابني، إن كنت قريبًا من أمّك، فاقترب أكثر…
وإن كنت بعيدًا، فاتصل بها اليوم بلا سبب…
وإن كانت قد عادت إلى أصلها من التراب، فاقرأ لها ما تحفظه من القرآن، لا من أجل الثواب فقط، بل لتُشعر قلبك أنها لا تزال هناك… تُصلّي… ويجلس طفلٌ فيك ليسألها:
ــ “إذا كانت الجنّة تحت قدميكِ… فماذا يوجد فوق رأسك؟”.
ستُجيبك الحياة، بابتسامة لا تُرى،
لكنك ستعرفها من وهج السكينة الذي ينزل على قلبك…
حين تتذكّر أن في سجدةٍ ما، كانت تقول:
ــ “اللهم لا تذرني فردًا، وأنت خيرُ الوارثين.”
وكانت استجابتُها… أنت.



