12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

العقل زينة!

رأيتُ في حياتي أكثر من شخص -في أماكن كثيرة- قال الناس عنه مجنون. يمشي تحت الشمس صيفًا وشتاء، يلبس ثيابًا رثة، يستجدي الناس قرشًا وقرشين في تقاطعات الشوارع. يتكلم مع نفسه، مسكين! كل من رآه قال: رب يشفيه ويعافيه ولا يبتلينا، مجنون. بعض المجانين يذهب إلى مصحة تأهيل، يتحسن حاله فترة قصيرة ثمّ تنتكس.

تعرف أخي الكريم وأختي الكريمة: هذا الذي قالوا عنه مجنون هو العاقل! كيف يا عمي تقول عن مجنون إنه عاقل؟ هل المجنون يكذب وينافق، يغش، يقتل، يفضح الأسرار، يستخدم الدين؟ ليس له أخلاق ومبادئ ولا صلة بالله؟ أم هو العاقل يفعل ذلك؟ تعال نستفسر ما معنى عاقل ومجنون من قواميس اللغة العربية:

عاقل: "مدرك للأمور، يميز بين النافع والضارّ منها". كم فينا ينطبق عليه التعريف حرفيًّا؟ 
مجنون: "الذَّاهب العقْل أَو فاسده". من منا ليس فيه ولو شيء من ذهاب العقل؟

هل رأيت مجنونًا يسيء إلى مجتمعه الذي يتصل به أو يسيء لدينه ومعتقده أو لنفسه؟ انظر في وسائل التواصل هل ترى مجنونًا؟ كلهم يقولون إنهم عقلاء! ماذا يقدمون؟ نساءً ورجالًا؟ كيف يفضحون أسرارهم الشخصيّة والعائلية والجسدية؟ هؤلاء عقلاء أم مجانين؟

هل رأيت في المجانين من آذى أحدًا - بقصد وعمد؟ ممكن يرمي حجرًا، أو يقول كلمة خوفًا من العقلاء أن يؤذوه. أما إذا تركت وحاله لا يعتدي! هذا مجنون أم عاقل؟

هل رأيت مجنونًا أو قرأت عن مجنون دخل في حرب أو جدل عبثي؟ المجنون لا يجادل، لا يحارب، مسالم. هل المجنون يقتل إذا اختلفت وجهة نظر الآخرين عن وجهة نظره؟ المجنون صحيفته بيضاء كالثلج عند الله سبحانه وتعالى أما "العقلاء" صحائفهم ألوانها شتى!

عن الإمام جعفر الصادق عن آبائه -عليهم السلام- قال: مرّ رسول اللّه -صلى الله عليه وآله- على جماعة فقال: "علام اجتمعتم؟ فقالوا: يا رسول اللّه، هذا مجنون يُصرع، فاجتمعنا عليه. فقال: ليس هذا بمجنون، ولكنّه المبتلى. ثمّ قال: ألا أخبركم بالمجنون حقّ المجنون؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه، قال: المُتَبختر في مشيه، الناظر في عطفيه، المحرّك جنبيه بمكنبيه، يتمنّى على اللّه جنّته، وهو يعصيه، الذي لا يُؤمنُ شرّه، ولا يُرجى خيره، فذلك المجنون وهذا المبتلى".

لو كان بإمكانك وبإمكاني أن نَعرف حقائق الأمور، أن نرى العاقل كما هو والمجنون كما هو لغيرنا نظرتنا عن العقل والجنون. العالم فيه قليل من المجانين العقلاء ومملوء بالعقلاء المجانين.

أنت أكثر الناس راحة نفس وطيبًا في الدنيا. وضعك العقلاء في المشفى وهم أولى بأن يكونوا فيه لولا أنهم أقوى منك! إن زينة العقل وجماله -الذي هو أول ما خلق الله- ليست في قوته إنما كيف نستخدمه. الحقيقة أنني لولا ما سمعته من قول الناس عنهم "مجانين" لما كنت أميز بينهم وبين العقلاء.


error: المحتوي محمي