لو كنّا نعرف معنى الفراق، لحشدنا كل طاقتنا له، واستعددنا من أجله، لكن الفراق يأتي بغتة، دون سابق إنذار، خصوصًا فراق الموت، الذي اسمه يوجع حتى النخاع.
كم وكم، وفي كل يوم، نسمع برحيل أحدٍ من أحبّتنا، هم الذين كانوا معنا بالأمس، واليوم صرنا نتفقد أماكنهم في كل مكان: في البيت، في الطريق، في المأتم، في السفر والحضر.
فهذا حالي مع أمي؛ كلما طالت مدة الغياب، زاد شوقي لها أكثر، وصرت أبكيها وأشتكي لها همّي وحزني كلما زرتُ قبرها، وكأني أسمع صوتها يخفف عني ألمي. فأقول لها: “أمي، متى أرحل لكِ؟”، فلا أسمع شيئًا، غير أني أرى صمت القبر، وأخي يرشّ الماء كلما زارها، وأقطف بعض وريقات الريحان من عليه، وأواسي نفسي بوجود إخوتي وأخواتي.
حتى أختي فتحية، تقول لي: “لا تحزني، فقد حلمتُ بأمي حزينة من أجلك، حاولي تفريحها، اطلعي عشان ترتاح في قبرها”. وتضيف: “يجب علينا ألّا نترك وصيتها، وهي عدم ترك العزِيّة الأسبوعية (القراءة)”.
وتقول: “لا تفكّري أني لا أشعر بالحزن والألم؛ كلما دخلت البيت ورأيت غرفتها مغلقة، أفتحها وأتألم، لكن بالقراءة وعزائنا على الإمام الحسين -عليه السلام- في البيت، يخفّ الألم عني”. وكانت هذه وصيتها: “لا تتركوا المأتم في أي حال من الأحوال”.
في هذا اليوم، الجمعة، زرتُ قبرها، وبكيتُ عنده حتى تمنيتُ أن أموت من شدّة الحسرة، لكن ما خفّف عني زيارتي لقبر السيدة الشابة زينب درويش، وتذكّرتُ أيام طفولتها، ولعبها مع أختي زينب في بيتنا. وقلت: “رحمك الله، يا زينب، أنتِ مع أمي الآن، هل كنا نعلم أنكما سترحلان معًا خلال أشهر قليلة فقط؟”.
أجول بعيني في المقبرة من شرقها إلى غربها، ومن شمالها إلى جنوبها، فلا أرى غير صمت القبور. وأقول في نفسي: “رحمكم الله جميعًا، هذا حالنا جميعًا في هذه الدنيا، وهذا هو الموت.. الموت هادم اللذات، ومفرّق الأحباب”.
فأنعي نفسي بنفسي، وأقول لها: “يومًا ما، سآتي لكم، لكني لا أعلم متى سأرحل، وفي أي أرضٍ سأُدفن”. وهذا حالنا جميعًا.



