12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

جنتك ونارك

أكثر ما كان يحبطنا نحن أجيال ما قبل "المكيفات" وما بعدها بقليل هي تلك الدوائر الحمراء التي تحيط درجة الامتحان الدالة على الإخفاق في تجاوز مادة واحدة أو أكثر من المواد الدراسية، وتشوّه بدورها "شهادة" الدراسة الطويلة العريضة، إضافة لكلمة "راسب"، بانتظار أمل النجاح في امتحان الإعادة بالدور الثاني.

لا تزال ذاكرتنا تحتفظ بأدق تفاصيل الدراسة الثقيلة آنذاك، كما لا يزال ألم المساطر والعصي الحامية يعاودنا كلما حامت الذكريات في مخيلتنا، حيث جدية وصرامة المدرسين، وربما كان ذلك من أسباب نفور الطلاب من التعلم أو عزوف البعض عنه من البداية، إما بسبب التردد المسبق مما يسمعونه من أقرانهم، أو عدم الإيمان أصلًا بمنفعة الدراسة من قبل الفرد أو ولي أمره، والذي يريد لأولاده أن يكبروا لينخرطوا في بعض الأعمال الحرفية المعروفة آنذاك، ويساعدونه على توفير لقمة العيش الشحيحة آنذاك.

ولا ننكر هنا أن البعض تحدوا الظروف واستمروا في الدراسة حتى نالوا الشهادات العليا في الوقت الذي بدأت فرص الوظائف تهطل خاصة مع ظهور الشركات الكبيرة مثل شركة أرامكو والتي فتحت الباب على مصراعيه للتوظيف، وهي الفرصة التي انتهزها معظم الشباب آنذاك، من الذين تركوا مقاعد الدراسة أو هربوا من غلاظة التدريس وعصي المدرسين، وللانخراط في الحياة العملية التي لم تكن سهلة أبدًا على الكثير، خاصة مع بدايات الشركة والتي كان العمل بها يتطلب جهودًا مضنية عانى منها الكثير من آبائنا وإخواننا، بين غربة البحر وحرارة الرمال، والبعد عن الأهل، والورديات، فضلًا عن بعض المخاطر، وقد ارتسمت علامات ذلك واضحة على وجوه بعض من تقاعدوا، ولا يزالون يديرون أحاديثهم المكررة، وما عايشوه أثناء فترات عملهم والتي امتدت بهم جميعًا تقريبًا إلى سن التقاعد القانوني، قبل أن تخترق ذلك الأجيال اللاحقة ليتقاعدوا مبكرًا، خاصة مع إتاحة الـ package، "الصفقة أو الحزمة" المغرية التي انتهجتها بعض الشركات، وتسابق العمال والموظفون للظفر بها، والركون للهدوء أو الفراغ، أو الانشغال بعمل خاص أو بناء بناية، أو الأسفار المتلاحقة، وغيرها مما ينصرف فيه الوقت والمال.

الغالبية منا يعرفون التفاصيل ولا نريد الأسهاب أكثر، إنما هو مدخل لكي نعرج على القصد لنتساءل: يا ترى ما حال بعض من لايزال على قيد الحياة من أولئك الذين أفنوا حياتهم من بداية الدوائر الحمراء، وحتى ظهور التجاعيد والخطوط الزمانية التي ارتسمت على الوجوه والأكف، مع ضعف الأبدان، واختزان الأمراض؟!

هل عاش من توفاهم الله تعالى، أو يعيش من لا يزالون على قيد الحياة حياة هادئة هانئة بين ذويهم وأبنائهم وبناتهم؟ هل يعاود بعض هؤلاء زيارة والديهم، ويداومون عليها بعد أن كبروا وتأهلوا وتركوا المنزل الأساس ليسكنوا منازل أخرى؟

هل ضحى أحد الأبناء وتصدى للمسؤولية من بين إخوته، وأصر على بقاء والديه أو أحدهما، أو الانتقال معه إلى مسكنه الجديد، وأفرد لهما المكان الذي يليق بهما، وليؤدي واجبه  نحوهما، ويرعاهما بالعروف والإحسان ويخدمهما برضى ومودة ورحمة ودون تأفف؟

هل أسكنوهم على أقل تقدير في شقة من العمارة التي بناها لهم والدهم وجمعهم فيها بعد أن صرف عليهم كل ما يملك وادخر وربما اقترض القرض تلو القرض فقط وفقط من أجلهم؟

هل حدث أن أراد أحد الزواج، ولم يقبل بشرط السكن المستقل، بعيدًا عن والديه لأنه لا يريد تركهما والتخلي عنهما؟ 

هل وافقت فتاة أو توافق على الزواج من شاب مع وجود والده أو والدته؟ تساؤل ربما لا يتوافق مع الواقع المفروض الذي نعيشه، والحياة لا تسير دائمًا وفق تطلعاتنا ورغباتنا وأمانينا، ولو حدث، فسيكون خرقًا يلفت الأنظار، ويشار إلى صاحبه ولزوجته بالبنان والاحترام والتقدير، كيف لا وقد وضع الأولوية لوالديه نصب عينيه، وقدرت له زوجته ذلك ورضيت به.

لا ننكر أن هناك من الأبناء من يحمل المعاني السامية، وقد تربى على ذلك، وعرف قدر والديه، وعمل ولا يزال يعمل على تأدية بعض ما يستطيع في حقهما، رغم أنه لن يبلغ معشار ما عملا من أجله، ولكنه يقوم بأقصى ما يمكنه، ويصرف أغلى ما يملكه من أجلهما.

والعكس تمامًا، حيث يوجد بالمقابل من الأبناء الذين خاب ظن والديهم فيهم، وانكروا أفضال من رعوهم وكسوهم وأطعموهم وربوهم، يعيشون الوحدة، ويتوسدون الغربة، برفقة الصمت والوحشة، فضلًا عن الأمراض وخلافها مما يسببه طول العمر دون رعاية واحتضان، إلى أن يأتي أمر الله ويأخذ أمانته بصمت، ودون عزاء ولا نياحة من حبيب.

رحمك الله يا أبي. رحمكِ الله يا أمي.

والسلام.


error: المحتوي محمي