12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

من أحبّهُ الله.. أحبّهُ الناس

إن حبّ الناس لك هو من أُجلَّ نعم الله عليك؛ لأن الله إذا أحبّ عبدًا حبّبهُ إلى خلقه. 

غير أن نفور الناس منك، أو كرههم لك -غير المبرَّر- سواءً في الأسرة، أو العائلة، أو العمل، أو المجتمع؛ يستوجب منك إعادة النظر في سلوكك، وتفكيرك، ونمط تعاملاتك، فضلًا عن علاقتك بالله وبمحمد وآل محمد عليه وعليهم السلام. 

إن ثقتك المفرطة بذاتك، وعدم وضع نفسك على المشرحة؛ للتحليل، والتأمل، والمراجعة، وتنزيهك لنفسك عن الوقوع في الأخطاء أو الشبهات هو غرور ونرجسية ناجمٌ عن صغر العقل؛ لأن التواضع لا يكون إلا من الواثق بنفسه، بخلاف الكِبر الذي هو انعكاس للشعور بالنقص.

وعليه؛ حين تجد الأغلبية حولك نافرين منك، ولا تتأمل؛ فأنت مريض ولكن بأدواء الحمق، والغرور، والأنا، وهذه الأمراض النفسية تقتل الأرواح وإن كان أصحابها على قيد الحياة؛ فكم أحياء وهم تحت الثرى؟! وكم أموات وهم يمشون على الأرض؟!. 

نتفهم أن يكون للنجاح أعداء تلقائيون، وللتوفيق، وللغنى، وللعلم، وللشهادة، وللمنصب الرفيع، وللجاه العظيم، وسواها؛ وتكون أمارات ذلك واضحة عند أولي النهى، كما نتفهم العداوات الناتجة عن الغيرة والحسد والحقد وأماراتها واضحة كذلك، ونتفهم النفور نتيجة عدم الانسجام الفكري والروحي كذلك، وهي حالات فردية غالبًا ولا تكون ظاهرة بحال، وأما العداوات والنفور بلا أسباب؛ فتستلزم المراجعة ومحاسبة النفس؛ لأنك قد تكون من أسوأ الناس منزلة عند الله؛ ولهذا تركك الناس اتّقاءً لشرّك من حيث لا تعلم؛ فتأمل وتفهّم. 

هناك وجوه وقلوب يحب الله لقاءها ويحبّبها للناس، وهي القلوب الطاهرة المباركة المأمونة الضرر في مطلق الأحوال والظروف، وبعبارة أخرى هي القلوب العفوية البريئة الواضحة الشفافة الصادقة المؤتمنة البعيدة عن العداوات والحروب النفسية الطاحنة، وهناك وجوه وقلوب يكره الله لقاءها وينفّر منها الناس وهي القلوب المؤذية المنتقمة الشريرة التي تعيش على الظلم والأذى والقذف والانتقام والتربص والشماتة. 

كان رسول الله صلى الله عليه وآله جالسًا بين أهل بيته وبعض أصحابه ذات يوم فسألهم؛ هل ترغبون في رؤية أحد من أهل الجنة؟!، فقالوا: نعم يا رسول الله، فقال: سيدخل عليكم من هذا الباب رجل من أهل الجنة وأثنى عليه ثناءً خاصًا، فدخل رجلٌ من عامة الناس، محبوبٌ بين أهله وقومه، ولكنّهم لم يجدوا فيه ما يلفت انتباههم بحيث يكون بهذه المنزلة العظيمة عند الله؛ فاستقصَوا أمره فوجدوه يفعل الواجبات ويجتنب المحرمات؛ ولكن فصل الخطاب في مقامه هذا كان نتيجة نقاء سريرته وطهارة قلبه بحيث ما نام ليلةً واحدةً وفي قلبه مثقال ذرة من حسد أو حقد أو غيرة أو انتقام من أحد.

وهذا مصداق جلي وواضح إلى أنّ من يحبّهُ الله يحبّبُهُ إلى خلقه، والعكس صحيح. 


error: المحتوي محمي