12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

المنافسة بالإسقاط فشل المتميزين

من يرى إبقاء تميّزه في إسقاط الآخرين فلن يكون لتميّزه بقاء، وسوف تتعثّر خطواته في منتصف الطريق حينما يكون نظره لمن يُنافسه، لا سيما حينما يسبقه الآخرون بخطوات عملية ونتاج متميّز، فيشعر بالإحباط النفسي وعدم قدرته على الحركة إلى الأمام. وغالبًا ما تتجسّد في نفسيته صورة المنافس الحاسد الذي يبحث عن المثالب والمناظرة للآخرين، والشعور بالنقص أمام أي مبدع أو إبداع.

التميّز يعلو بـ “الإبداع والمنافسة والتجديد”، ولإتمام قيمة التميّز نعود إلى الآية الكريمة المملوءة بعظمة الحكيم باقتصاص هذه الجملة: (هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ)، وهي تمثّل صورة رائعة للتباهي بروعة التميّز بعد مرحلة النجاح؛ لأن النجاح وصول، والتميّز رفعة وعلو.

ونجد مضمونًا رائعًا في حركة الشعور بالحاجة إلى المزيد من العطاء؛ أي الاستمرار ومداومة التجديد والإبداع؛ فنجد هذا المضمون الرائع: (إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ)، وهو الشعور الدائم بعدم الوصول إلى الهدف الذي يُبتغى، مما يعني استمرارًا في العمل دون توقف. ولعل أكثرنا يتوقّف توقّف المُنجِز، وهي حالة من الشعور بغرور النجاح، وذلك حينما يقترب من الهدف ليجد نفسه أمام منافس غير متوقّع قد سبقه بخطوات في لحظة زهوه.

فتنشأ حالة “المنافسة الإقصائية”، وهي أسوأ مرحلة في الحركة التنافسية، حينما يُوفّر المتميّز اليد الأخرى لإسقاط المنافس بدلًا من أن يستفيد منها في تسلّق الجبل للوصول إلى القمّة، بل يُقاسم منافسيه التفكير الإبداعي ليكون ذهنه مشغولًا بالمتميّزين والمنجِزين، بدلًا من أن يعمل على تجديد الإبداع والتفكير الإبداعي، فيتقدّمون ويتأخّر.

وربما تتمثّل قيمة “التفكير النقدي” الذي يجعل الإبداع نتيجة ذات مفهوم مدروس ولهدف واضح، وليس مجرد حركة صاعدة.

وهذا ما يجعل المتأخّرين يبحثون عن سبيل لإقصاء منافسيهم، لأن من يركض لركض منافسيه سيتوقّف إن توقّفوا.

بل إن قيمة التركيز على الإبداع تجعل التميّز أقوى في الكيف وأكمل في الإنتاج.

كثيرون يتميّزون وتشتعل أنوار الإبداع فيهم، لكنهم لا يقوون على رؤية منافس واحد بجانبهم، لأنهم نشأوا على التفرّد بالطريق، وهذا ما يجعل الحضارات المادية المُهيمنة تعمل على إقصاء وإسقاط أي رأس حضاري قادم، وذلك لأن الحضارة الجديدة تتقدّم إن تحرّكت من حيث انتهى الآخرون، وجمعت عقولها للإنتاج والإبداع، فلا تجد الحضارة السابقة مناصًا من المنافسة الإقصائية أو الاستسلام للحضارة القادمة.

والحقيقة أن “الحضارة” هي العمق الفكري والقيمي والثقافي، وما عداها هي “مدنية متطورة”، وإلا فالحضارات تتكامل ولا تتصادم.


error: المحتوي محمي