12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

أذان الفجر!

من المشاهد التي لا أزال أتذكرها جيدًا حين كنت أذهب مع ساعات الصباح الأولى لأشتري خبزًا. أرى رجلًا -رحمه الله تعالى- يجلس في شرفة منزله، يقرأ القرآن قبل طلوع الشمس. لم توجد بعد سيارات ولا أصوات مكيفات ولا ضجيج عمال!

لا يزال حتى مع ضجيج مكيفات الهواء، التي تُلازمنا طوال أشهر الصيف، يتغلب عليها صوت المؤذن لصلاة الصبح. يتسلل الصوت في فصل الصيف عبر النوافذ والأبواب ضعيفًا وكأنه يأتي من بعيد، لكنه صوت يتسلل إلى القلوب بأي طريقة ومن أي مكان.

أمواج أذان الفجر تتسابق مع فرصة هدوء الطرقات والمصانع وحركة الناس وتتحرك في الهواء النقي لكي تتسلل إلى آذان وقلوب المؤمنين تناديهم أن الله أكبر من كلّ شيء وأنه الواحد الأحد الذي يحب من خلق فهو يبعث لهم رسلًا آخرهم النبي محمد صلى الله عليه وآله.

صوت آتٍ من بعيد يقول لنا: قم استقبل الحياة بهمة ونشاط. استقبل يومك بذكر الله "أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ". يا لطيف! تعال انظر كم من اضطراب، قلق، في حياتنا! كم من مصاعب! مصاعب لا يهونها إلا الإيمان بالله وذكر الله. صوت يعلو باعثًا الطمأنينة في روع الموحد: أنتَ لست وحيدًا في الكون. لك رب قادر رحيم يمنحك الطمأنينة ويزيل عنك كل قلق.

صوت يهرب منه الشيطان: عنه صلى الله عليه وآله: "إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة هرب".

صوت يسمعه أهل السماء: عنه صلى الله عليه وآله: "إن أهل السماء لا يسمعون من أهل الأرض شيئًا إلا الأذان".

صوت ينادي: يا أيها الناس، يا فقراء استيقظوا وارفعوا طلباتكم من الله الغني: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ} في الساعات التي نمتم كم من إنسان كان يعد خطة محكمة ليوم الغد، ماذا أصنع؟ ماذا أفعل؟ لكنّ ذلك الغد لم يأت ونقض الموت الخطة كلها! كم من إنسان عثر به جواد الحياة فلم يستيقظ وأنتم بقيتم أحياء؟

ذلك الميت يقول: ألا ليتني أعود فأسمع ذلك الصوت ولو مرةً واحدة! ليتني أعود فأقوم ولو كنت سكرانًا من خمرة النوم. ليتني أعود فأقوم وأسمع: الله أكبر ولو كنت مريضًا ولو كنت متعبًا! 

تعرف أخي الكريم وأختي الكريمة أن أصعب محاورة تجري هي عند سماع الأذان، على الخصوص أذان صلاة الصبح! محاورة تجري بين نفسي والشيطان! نم خمس دقائق ينصحني الشيطان، ثمّ ذلك العيّار ينصحني بخمس دقائق أخرى ثمّ خمس فإذا بضوء الشمس يملأ الدنيا وصار وقت الصبح في خبر كان! ليتها تحدث فقط يومًا واحدًا إنما كلّ يوم!

ما دام في القلب نبض فهو ينشغل في الحياة الدنيا بكثير من الأمور التافهة الحقيرة عما هو أهمّ. فإذا جاء وقت الرحيل انقطعت كلّ الأماني وحلّ مكانها الندم والتأسف. المشكلة أن الوقت لم يعد ملكنا: {حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}. 

لَيتَ: (حرف/ أداة)
حرفٌ ناسخ يفيد التَّمنّي، وهو من أخوات إنَّ ينصب الاسمَ ويرفع الخبرَ. يُستعمل غالبًا للمستحيل مثل ليتني أعود للحياة يومًا! ليتني أعود شابًا ساعة واحدة. الحياة أمنيات والآخرة حقائق!


error: المحتوي محمي