(رسالة لقلبٍ لا يزال ينبض بالحياء من الله)
لا أكتب هذا النص عتابًا،
ولا حتى لومًا،
بل أكتبه لنفسي أولًا،
ولكل من مرّ بجانب النعمة يومًا… ونسي أن يشكر.
رأيت مشهدًا هزّ شيئًا في داخلي،
أكياس أرزٍّ لم تُمس، عصائر مغلقة، طعام صالح للأكل
كلّه يُرمى بلا تفكير،
كأننا لا نعرف طعم الجوع،
ولا سمعنا يومًا أن النعمة تسلب حين تُهدر.
توقفت وسألت نفسي: هل اعتدنا النعم حتى نسينا شكرها؟
حين تُرمى النعمة… من نكون؟
من نكون حين نلقي برزقٍ تمنّاه غيرنا؟
حين نُشبع القمامة… وننسى الجائع؟
هل توقّفنا عن رؤية الجمال في البسيط؟
هل غاب عنا أن كل لقمة نحاسب عليها؟
قال تعالى:
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾
– الإسراء: 16
ليس هذا ترفًا فقط…
بل غفلة، والغفلة إن استقرت، تمهّد للهلاك.
قلبي يخاطبني… فأنصت له
﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ…﴾
– يوسف: 53
أنا لا أزكّي نفسي،
لكنني أتعلّم كل يوم كيف أكون عبدًا شاكرًا.
وقد علّمني النبي الكريم:
“من رأى منكم منكرًا فليغيّره…”
فأكتب. لأنني لا أستطيع الصمت.
أكتب لأن ما يُهدر ليس فقط طعامًا… بل قيمة، ووعي، ورحمة غائبة.
كيف نشكر النعمة حقًا؟
أن نأخذ بقدر حاجتنا، لا أكثر.
أن نترك الزائد لمن يحتاجه، لا للقمامة.
أن نعامل ما بين أيدينا كأمانة، لا كشيء مسموح هدره.
إن لم تكن بحاجة فلا تأخذ.
وإن زاد معك، فتصدّق…
قد تكون تلك اللقمة التي تشاركها سببًا في مغفرة… أو فرجٍ لا يخطر لك على بال.
النعمة ليست لنا وحدنا
نرمي طعامًا… وغيرنا يدعو بلقمة.
نغضب إن تأخّر طلب المطعم… وآخرون يصومون جوعًا لا طوعًا.
فلنُربِّ في أنفسنا أدب الشكر،
لا بالصوت فقط، بل بالفعل.
بأن نكون رحماء على النعمة،
أمناء على الرزق،
حياءنا من الله هو البداية…
وشكرنا هو الدليل.



