مواقف إبليس عليه لعنات الله سبحانه وتعالى من إصراره على العصيان وتربصه بنا وإصراره على غوايتنا ذكرها القرآنُ الكريم في عدة مواطن. بدأ الشيطانُ غوايته باللذة والشهوة ثم صار يستخدم أساليب جديدة كل يوم؛ لذة، شهوة، مال، خوف، شهرة، هل تريد أكثر؟ القائمة طويلة جدًّا!
كلنا -إلا من رحم ربي- فيه مسّ من شهوة الشهرة؛ يريد الشهرة في عالم أصبح أعظم إغراءً بعد ظهور وسائل التواصل وانتشار المشاهير. عالم يبهر من يشتهر فيه ويجعله يظن أنه وصل القمة.
إنه عالمٌ جميل جدًّا ويستحق المنافسة لكن حذار من دخول عالم الشهرة والتاريخ من الباب الذي دخل منه إبليس. لم يدخل إبليس عالم الشهرة من باب الملائكة والقديسين إنما دخله من باب اللعنة والطرد من رحمة الله!
أي نعم؛ إبليس دخل باب الشهرة وبقي أبد الآبدين يلعنه من يقرأ القرآن، من يستغفر، من يتوب؛ كل البشر -حتى من يتبعونه- يلعنونه مع أنه كان من الأجمل أن لو دخل التاريخ من باب الشهرة والصيت الحسن.
نظرة واحدة في الإعلام الحديث وتعرف حجم السباق والمنافسة على دخول عالم الشهرة من الباب الخطأ. إما باسم الحداثة أو الثقافة أو المعرفة الزائفة، أو فقط مع الخيل يا شقراء، أينما حطّ الناسُ رحالَهم حططتُ رحالي!
وهل أنا إلا من غزيّةَ إن غوت * غويتُ وإن تَرشُد غزيّة أَرشُدِ
البقاء والذكر الجميل ليس بعدد المعجبين والمصفقين والمطبلين؛ ما أكثرهم! إنما البقاء عندما ينادي الشيطان تعالَ ادخل وكن صديقًا لي أعرف أنها دعوة كاذبة زائفة. كيف أصدق الشيطان وهو أبو الخطايا؟
كم من إنسان عاش بين الناس لم يعرفه أحد وبعدما مات لم يجد من يذكره لكنه عند الله سبحانه وتعالى لم يزل مذكورًا وكم من إنسان خلد في التاريخ، لا يمضي يوم إلا ويذكر فيه عشرات المرات، لكنه منسيّ من رحمة الله سبحانه وتعالى!
وإنما المرءُ حديث بعده * فكن حديثًا حسنًا لمن وعى
جاء في كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي عن أكثم بن صيفي: "إنما أنتم أخبار فطيّبوا أخباركم". ومنه أخذ المعنى حبيب الطائي فقال:
و ما ابن آدم إلاّ ذكر صالحةٍ * أو ذكر سيئةٍ يسري بها الكلمُ
أما سمعت بدهر باد، أمّته * جاءت بأخبارها من بعدها أممُ
حاذر؛ عندما يكون لديك آلاف المعجبين أن فيهم من يدفعك لتكون حطبًا لجهنم ثم يغسل يديه منك. حين تكتب وتدون أو تنشر صورًا أو مقاطع مصورة لا يكن همك الأول الشهرة الزائفة التي سرعان ما تزول. الشهرة الزائفة حتمًا تخبو وتزول بسرعة {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ}.



