12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

مفاجأة غير سارة.. (٤)

لم تبرح هواجس الليل مكانها، فكانت الهموم تتسلل إلى مغارات صدر حاتم، وتستوطن تجويفه، والأفكار تغزوه وتهز مضجعه، وتجثم بثقلها على كاهله. الضيق يأكله، ومشاعر متناقضة تأخذه حسب ما وصلت به رياح الأيام والليالي. فكلما اشتعلت الذكريات وقفزت صورة صديقه التاجر إلى ذهنه، وهو ملقى على الأرض، سابحًا في أزمته الصحية، يطلب الهواء، وعيناه معلقتان في السماء، بثيابه الرثة، ووجهه الكئيب، وبشرته المعتمة؛ كلما ازداد إصرارًا على رؤيته والوقوف على حالته، ومعرفة صدق ما قاله عنه صديق عمره إبراهيم.

وأية صداقة تلك التي كشفها إبراهيم؟ إنها نموذج لصراع خفي، جعل صورتها معتمة، وتفاصيلها متناقضة، وأدخلته في دوامة من الحزن والخوف والخيبة، وأحالت تلك المتناقضات بعضًا من ساعات حياته التي يختلي بها لنفسه إلى مراجعات في معنى الصداقة. وكان سؤالًا حائرًا يدور دومًا في خلده: أيا ترى من حق إبراهيم البوح بكل تلك الموبقات عن صديق عمره؟ ألم يكن للتاجر ووالده أفضال كثيرة لا تُنسى؟ أليست بكافية تلك الخدمات التي قدمها التاجر لإبراهيم أيام عوزه واحتياجه حينما كان في حالة عُسر؟

في لحظة من لحظات الليل الباردة، قال حاتم لنفسه: “الهواجس تتسلل إلى مفاصلي ببطء، والحياة تمضي بسرعة كبيرة، لا أستطيع أن أترك الاطمئنان على صديقي التاجر للصدف! فليس من باب المروءة أن يكون الصديق في أحلك أيامه، وأنا أنتظر خبرًا يشير إلى وفاته دون تحريك ساكن! ليس هذا من طبعي، ولن أكون أنا إذا لم أفعل شيئًا، فليس بالضرورة أن يكون صديقي بحاجة إلى المال، ولكنه حتمًا بحاجة إلى من يقف معه، حتى لو كان قد ارتكب ما ارتكبه من أخطاء، طالما أنه قابع في البؤس حتى أذنيه، فلابد من فعل ما يمكن فعله لإخراجه من ضائقته”.

وفعلًا، صار يتردد باتجاه منزل التاجر الذي يعرفه حق المعرفة منذ أن كان صبيًا، حيث كانت ذكريات الطفولة تتدفق في كل زاوية من زواياه. وعلى الرغم من التغيرات الكبيرة التي طرأت على حيهم، فهناك منازل تمت إزالتها ونُزعت ملكيتها منذ عشرات السنين، وأخرى بُنيت حديثًا بالقرب منهم، إلا أن موقع المنزل لا يجب أن تخطئه العين. فالمنزل يقع على طريقين ضيقين، محاطًا بنخلتين شاهقتين، والبوابة الكبيرة المنقوش عليها آيات قرآنية تبرز في وسطها بوابة صغيرة تفتح عند الحاجة، وتعلوها قبة صغيرة مزخرفة بزخارف إسلامية. نوافذ المنزل المميزة بألوانها المدهونة بالدهان الأزرق الشبيه بلون البحر تجعل من الصعب نسيان هذا المكان.

لقد تردد على هذه المنطقة مؤخرًا عدة مرات، ولكنه لم يجرؤ على الاقتراب من ذلك المنزل تحوّطًا من إحراج صديقه، ولكن عزيمته هذه المرة اختلفت، والإصرار على لقائه أصبح من الواجبات التي لا يمكن تأجيلها.

عندما وصل إلى البيت واقترب منه، كان على وشك أن يطرق بابه، لكنه وجد الباب مواربًا، وعليه لوحة كبيرة مكتوب عليها بخط واضح: (البيت للبيع)، كما وجد على اللوحة رقم هاتف مباشر للاتصال بالبائع. وقف أمام اللوحة مشدوهًا، يُقلّب نظراته في اتجاه المنزل الذي بدا بحالة جيدة، مع لمسات من التجديد التي أضافت إليه رونقًا جميلًا. أصبح موقعه مميزًا بعد أن أزيلت العديد من المنازل القريبة منه، حتى ليتخيل للمرء الذي يتأمله أنه بيت صالح ليكون متحفًا أو مكانًا أثريًا يحتفظ بعبق الماضي التليد.

طرق الباب بدون تردد، وكان يحدوه الشوق لسماع إجابة من الداخل، ولكن لا صوت يقطع الصمت المخيم. فتح الباب قليلًا، وصاح بصوت مسموع: “يا صديقي التاجر، ها أنا حاتم، أريد لقاءك!”
كان صوته يتردد كالصدى المتقطع في مغارة صغيرة، وعندما انفرج الباب أكثر، بان له المدخل الذي تم تبليطه بالحجر الجيري، وكذلك دهان سقفه باللون الطبيعي لخشب الصندل.

هذا هو المنزل الذي ألفه، وقضى سنوات صباه يتردد إليه. دلف إلى الداخل قليلًا، وصاح مرة أخرى: “يا صديقي التاجر، ها أنا حاتم، صديقك، جئت لزيارتك”. وكان صدى آخر متقطع يتردد من جوف المنزل، فدلف إلى الداخل بعد أن تيقن من عدم وجود ساكن فيه.

قفزت الذاكرة القديمة وكأنها حدثت بالأمس القريب: “هنا كان المكان الدائم لعم التاجر الكبير (أحمد)، حيث كان يفترش الأرض، ويطيل التفكير في السماء من خلال فتحة الحوش المفتوحة. عاش سنوات عمره كاملة عازبًا دون زوجة، وفي الطرف الآخر من البيت سكنت خالته المقعدة، كانت طوال حياتها نائمة في فراشها القطني، وكان وجهها يميل إلى اللون الفضي (كنا نحسبها جسدًا بدون روح)، حتى إننا لم نكن نحسب لها حسابًا عندما كنا نلعب أو نمزح بالقرب منها. ولكنني الآن لن أحسب وجودي هنا نزهة، فالذكريات هنا تجلب المزيد من الهموم، وتجعلني أسير الماضي بكل إرهاصاته. لقد مضى جميع من يسكن في هذا المنزل إلى آخرته، وإن مررت على كل غرفة فيه، سينتابني الأسى، وأشعر بالوحشة التي تركها أصحاب هذا البيت. أين هي أم التاجر الحنونة التي طالما اعتبرتنا أبناءها وتعاملت معنا كأم رؤوم؟ وأين ضحكاتها اللطيفة التي كانت تبهرنا برقتها؟ وأين عطف والده النبيل الكريم، قليل الكلام وخارق الذكاء؟ حيث كان له حدس مرهق يستطيع قراءة دواخلنا، ويعرف احتياجاتنا، وكان سخيًا في عطائه لنا. كنا نحسبه عمًا حقيقيًا، أو ربما أكثر من ذلك”.

نهار أواسط شهر مارس يبعث على النشاط، ويحرّض الناس على ممارسة الأنشطة المختلفة بفضل طقسه المعتدل، وشمسه الناعمة التي تنشر ضياءها بهدوء. الأشجار تكتسي بخضرة زاهية، وتتفتح الأزهار ناشرة عطرها الشجي. وفي هذا الموسم تكثر الطيور المهاجرة، وتميل نفسيات الناس إلى الهدوء والاسترخاء، وتستقر الأمزجة في الواقع من نهاية فصل الخريف ويمتد بها الهدوء النسبي حتى دخول شهر مايو/أيار، عندما تجلد المنطقة بألسنتها الحارقة.

وطالما أن الأجواء منعشة هذا اليوم، والسماء ملساء بصفائها، باستثناء نتف قليلة من غيوم شاردة ترقص بخفة في الفضاء الواسع، وطالما أن العزيمة متألقة، فلابد من إتمام المشوار الذي أتيت من أجله، حيث لم يعد هناك مجالٌ على الإطلاق للتأخير. هاهو المنزل الجميل معروض للبيع، وربما سيبيعه صاحبه التاجر بسعر بخس، ولابد من الوقوف على السبب. سأفعل جهدي، وحسب إمكانياتي وقدراتي المتواضعة، للمساعدة، وهذا سيتوقف على دوافع ومسببات البيع.

الفرصة للقاء التاجر أصبحت أكثر من مؤاتية. تناول جواله من شركة بلاك بيري، وأخذ الرقم، ودون تردد اتصل. كان جهاز الهاتف على الطرف الآخر يرن بانتظام، ولكن لم يُجب صاحبه. بعد قليل أعاد الكرّة، ولم ييأس حين أعاد المحاولة عدة مرات. وبعد نحو ثلث ساعة أتاه صوت رجل وقور، هادئ في رده، متأنٍ في كلامه، وكأنه يحسب كلماته. وهيّئ لحاتم وكأن الصوت قادم من خلف ستار من الهدوء، قال بصوت خافت: “السلام عليكم، أنا أبو نعمة، هل من غرض عندي؟ فأنا لا أعرف صاحب الهاتف!”

رد عليه حاتم والحماس يملأ كيانه، والشوق يحدوه، فقال: “وعليكم السلام يا أبا نعمة”، ثم تابع القول: “رغبت في شراء المنزل، وأرغب بلقائك لمعرفة ثمنه، وتفاصيل أخرى أحببت الوقوف عندها. رغبت أن أعرف مساحة وعمر المنزل أيضًا إن أمكن ذلك!”

قال أبو نعمة: “نعم، أرغب في بيع المنزل، ويمكننا تحديد موعد ومكان اللقاء، وستعرف جميع التفاصيل التي ترغب.”
قالها بصوت ينم عن الحزن، فكانت الكلمات تخرج من صوته بثقل محسوس.

أدرك حاتم المعاناة التي يواجهها التاجر، وقال بهدوء: “أنا جاهز يا أبا نعمة”.

إلا أن التاجر حاول أن يعرف الشخص الذي يتحدث معه، فقال: “صوتك ليس بغريب يا أخي، هل تعرفني؟”

أجاب حاتم بابتسامة صافية، وفرحة كبيرة تدغدغ مشاعره: “عندما نلتقي ستعرفني. ما رأيك أن نلتقي بعد قليل إن كان ذلك ممكنًا؟”

قال أبو نعمة: “نعم، بودي ذلك، ولكن عليك المجيء إلى حيث أنا موجود”.

قال حاتم بكل سرور، وطلب منه أن يرسل له العنوان، ويحدد منطقة تواجده.

أجابه التاجر: “سيكون مكاني في البستان المسمى (الأمان)، وهو تحديدًا بجانب مزرعة الموز الشهيرة. ما عليك إلا أن تسلك طريق (حمّام أبو لوزة)، سيصادفك جدول ماء بعرض متر ونصف تقريبًا، عليك أن تأخذ حذرك حتى لا تزلق رجليك، وبعدها ستجد لوحة ترشدك مباشرة إلى البستان.”

أجاب حاتم بثقة، وكأنه يعرف الطريق جيدًا: “أقل من ساعة زمان وأكون عندك. إلى اللقاء. سأتبع إرشاداتك بدقة، وسأجد المكان.”

يتبع إلى القسم الخامس…



error: المحتوي محمي