12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

حين تصبح الحكاية رواية!

عاش في الدنيا ناس وماتوا وكل من مات يترك خلفه حكاية تروى. حكاية يرويها محبّ يجمل الصورة ويزينها أو عدو يشوه السيرة ويلوثها. تعيش الحكاية بقدر حجم ما صنع صاحبها؛ إما مدة طويلة أو قصيرة.

أنا وأنت نَقرأ رواية نجزم أنها حقيقة لم يتم العبث فيها. يا ترى هل الحكايات تحتفظ بعذريتها عندما تتزاوج مع الماضي وتعيش في زوايا التاريخ أم تصبح مجرد حكاية؟

كل حكاية تسبح في بحار الحكايات البشرية تبحث عمّن ينقحها ويتحقق منها. تبحث عن راوٍ أمين لا يزيد ولا ينقص فيها! في الستين سنة التي عشتها أسمع وأرى كل يوم حكاية لا تلبث أن تصبح روايات لا تعرف أيًّا منها الرواية الصادقة، إن كان هناك من رواية صادقة أصلًا!

كيف إذن بروايات تاريخ تقادمت وصار عمرها مئات بل آلاف السنين؟ يضاف لها وينقص؛ هل تبقى كما هي؟ في أحد فصول التدريب التي حضرتها قام المدرس بإجراء تجربة. التجربة تمثلت في نقل حديث بسيط جدًّا من شخصٍ لآخر. بعد عدة أشخاص صارت الحديث الأصلى مشوه جدًّا! كل طالب منا كان يجزم أنه يروي الحقيقة.

غدًا إذا سمعت أو قرأت رواية مات أهلها وصاروا جزءًا من تراب التاريخ فكّر: هل معقول أن تكون صحيحة؟ مع من تكون؟ مع الحاكي أم المحكيّ عنه؟ أم لا ذا ولا ذاك؟ أسئلة تطرق باب عقلك بعنف يجب أن تعرف لها جوابًا ليس فقط من التاريخ إنما من الحاضر الذي يشبه التاريخ!

هل حقًا التاريخ وحكاياته يكتبه المنتصرون؟ التاريخ يكتبه الأمناء بأقلامهم وقلوبهم وعقولهم. يكتبونه بكلّ أمانة. أمانة من يرغب أن يرث من بعده حقيقة كاملة، لا نصف حقيقة مشوهة. من بين ثقوب التاريخ تطل الحقيقة التي لا تموت، مخفية يعرفها من يقرأ بين السطور.

تبين في كل ما تسمع وتقرأ وتكتب وتصور قبل أن تكون واحدًا من النادمين. يروى أنه سئل أمير المؤمنين علي عليه السلام: كم بين الحق والباطل؟ فقال: أربعة أصابع - ووضع أمير المؤمنين يده على أذنه وعينيه - فقال: ما رأته عيناك فهو الحق، وما سمعته أذناك فأكثره باطل.

الحقّ فضيلة والباطل رذيلة في زماننا يتصارع عليهما عدسة كاميرا وأقلام وصحف وكتّاب ومؤرخون. هذا هو شأن التاريخ في كل زمان، مثل جسد نحيل يتصارع مع أجساد فتية وقوية تأخذ من قوته وترهقه حتى يستكين. لماذا التاريخ؟ التاريخ يؤثر في كل شيء من حولنا، كيف نبني حاضرنا ومستقبلنا.

ما أريد أن أصل إليه هو أن لا نأخذ كلما نسمع أو نقرأ تسليم المسلمات. ندقق، نفحص، نحاول أن نفهم ونربط الأجزاء الصغيرة بعضها ببعض. نضع كل قطعة صغيرة في مكانها الصحيح ثمّ يكون لدينا صورة كبيرة.

اقرأ التاريخ، لا تخشَ من المتناقضات! عقلك الحاضر سوف يأخذك إلى مرسى حقائق الماضي وأسرارها!


error: المحتوي محمي