12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

الهدوء الذهني

دعني اعترف بأن وقت فراغ لا يمكن غالبا ان يُقضى بالهدوء والصمت في زماننا هذا، لقد اصبح من النادر ان تكون في صالة انتظار في مطار او مشفى او غيرهما فتجد حولك من لا يتأمل في شاشة جواله، من ليس منهمكا في جهاز اللابتوب وأشباهه من بقية الأجهزة، هكذا من النادر ان تجد شخصا هادئا صامتا لبعض الوقت، الذي اظنه أن هذا العقل المنفعل دائما مع آلاف الصور والأحداث والأخبار الموجودة في هذا العالم هو عقل غير هادئ، يمكن جدا حينها ان يتحول الإنسان إلى جسد مليء بالتعب والإرهاق النفسي، فعندما لا تتاح له فرصة للهدوء والراحة، فلا شك أنه سيصبح عقلًا متعبًا.

الحديث بنوع من المثالية في هذا الأمر من خلال تقديم النصائح حول التوازن في استخدام الأجهزة الذكية هو كما أظنه حديث إنشائي غير مثمر، لأنه بطبيعة الحال أمر بديهي ويدركه الجميع، الأكثر أهمية كما أرى هو أن يعي الإنسان خطر هذا الأمر عليه، حينها سيعرف جيدا أنه بملء إرادته اختار ان يخاطر بحياته، يمكن بشكل موجز تلخيص اهم المشاكل النفسية والصحية على الإنسان في نقطتين: 

النقطة الأولى: هي الإجهاد الذهني.

يعني ذلك ان هذا العقل تضعف قدرته على التفكير والتحليل ليصبح من حيث لا يشعر اقرب  للطفل حينما يستمع لحديث يفوق تصوراته.

النقطة الثانية:  البلادة الذهنية وأزمة التعاطف.

بمعنى ان التشبع من قصص الموت والدمار التي يسمع بها في هذا العالم تصيبه بتلك البلادة الذهنية التي تفقده القدرة على التعاطف، ذلك أن الفظائع تصبح بمنزلة الأمور المتكررة التي لا يمكن ان يخلو منها العالم، وكل ذلك يصيب عقله الباطن بالقلق والاكتئاب بحيث يصبحان صفتين ملازمتين لهذا المدمن، هكذا حينما لا يرى إلا ما يدعو إلى الخوف وهو عاجز عن فعل شيء فإنه من حيث لا يشعر يلازمه الخوف والقلق والاكتئاب.

لا شك ان التكنولوجيا امر مهم ولا يمكن للإنسان الحديث في الوقت الراهن الحياة من دونها ولكن ثمة فرق بين الادمان عليها بحيث يعجز الإنسان مع الزمن على الحياة بدونها وبين الاستخدام الواعي لها بحيث لا يفقد العقل دوره كأداة للتفكير والتحليل، لا بد لي في الختام الإشارة إلى ان مصطلح الصمت الذي أشرتُ اليه لا يعني الفراغ وضياع الوقت، بل هو تلك السكينة التي تدفع للتأمل العميق في الأمور وقراءة الأحداث بشكل اكثر دقة وحكمة.


error: المحتوي محمي