12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

كان صيفنا أكثر ألوانًا!

منذ أن وعينا على الحياة عرفنا أن فصل الصيف في مناطق القطيف كلها حار جدًّا وطويل. صيف مؤذٍ، لا تغيب فيه الشمس لحظةً واحدًة. إلا أنه مقارنة بالزمن الماضي، اختفت الألوان التي كنا نراها من حولنا بعيون الأطفال والشباب الصافية في البيئة الزراعية والبساتين. كانت ألوان البيئة أشد وضوحًا، خاصة اللون الأخضر في أشجار الليمون واللوز والسدر والتين والبمبر والنخيل تامات الارتفاع، المثمرة بعدة ألوان من الرطب؛ أحمر، أصفر، أخضر، وربما ألوان بين تلك الألوان.

أتذكر جيدًا في سنوات الطفولة كنا نكتري قطعًا من البساتين في جزيرة تاروت، نسكن فيها. تروي عيون الماء البساتين المزروعة بأنواع النخيل وأشجار اللوز القطيفي والتين والبمبر وسوى ذلك من الأشجار. 

رأينا ألوان الماء الصافي يجري في البساتين، دون حفر عميق، ورأينا الخضرة، لكن ندرة الماء والتمدّد السكاني لم يتركَا مجالًا لألوان سوى لون شوارع الإسفلت الأسود والخرسانة المسلحة. كانت الألوان تخفف حرارة الطقس وتعطي منظرًا أكثر بهجة. أما الماء فكان يستخدم لأغراض الري والشرب والترفيه.

بعد أن قلّت المساحات الملونة والماء يأتيك إحساس قويّ جدًّا بأن الصيف تغوّل واستشرس؛ لا تستطيع أن تمشي في الطريق لأنه لا يوجد غطاء نباتي يظلل ويخفف من حرارة الشمس الوهاجة. لا أدري إذا ما كنا قادرين على استعادة بعض الألوان أم أنها انتهت دون عودة؟ من المؤكد أنه ليس من السهل استعادة الطبيعة التي اختفى بعضها لأسباب طبيعية وبعضها الآخر كان الإنسان سببًا فيه!

من الملاحظ أننا حين نبني بيوتنا الحديثة، لا نهتمّ بترك مساحة نزرعها وتعطينا ألوانًا في البيت! كل مساحات بيوتنا، الداخلية والخارجية، مرصوفة بخرسانة إسمنتية. فوق ذلك خارج دورنا لا نهتم بزراعة شجرة أو شجرتين! المساحات الخضراء تعطي جاذبية وجمالية كبيرة وتزيد من قيمة العقار.

من المستحيل أن يعود الزمان للوراء، خصوصًا مع نضوب المياه الجوفية وندرة الأمطار. لذلك ربما نستعيض عما ذهب أو بعضه باستغلال الفضاء -صغيرًا كان أم كبيرًا- أمام بيوتنا في زرع ولو شجرة واحدة. من المحزن أن ترى واجهات المنازل مهجورة. بيوت واسعة، أنيقة، وجميلة، لكن دون ألوان أو ظلال!

لا يمكن مقارنة البيئة عندنا، قديمًا أو حديثًا، ببعض مناطق المملكة، أو الدول الأخرى التي تسقط عليها أمطار بنسبة أكبر وفيها مكامن مياه جوفية، قليلة الملوحة. نعم، كانت عندنا أشجار فاكهة وزينة سابقًا أكثر من الحاضر، لكنها لتبقى كان لا بدّ لها من مساحة واسعة ثمّ إلى ماء وافر معتدل الملوحة. جاءت المدنية ولم نستطع أن نجدّد البيئة ونُحافظ على نضارتها، لذلك يبقى واجبًا علينا أن نعوض ذلك الغياب -قدر ما نستطيع- داخل دورنا وأمامها.

إذا غاب الماء واختفت الألوان تهيجت الأعصاب!

يقول المختصون بأن ارتفاع درجات الحرارة فوق معدلاتها الطبيعية يمكن أن يتسبب بالغضب والتهيج والتوتر بين الأفراد. ألهذا ترانا في فصل الصيف مشدودي الأعصاب؟ لا نتحمل كلمة واحدة؟ ليس غريبًا لأن النظر إلى الماء والخضرة مريح للأعصاب ومهدئ للمزاج. 

ربما تتجدد الألوان في المساحات المتوفرة خارج المدن!


error: المحتوي محمي