في عالم الرياضة تتبلور الصورة واضحةً أو تكاد أن تكون أمام المشاهد، وقد دخلنا عالمها الاحترافي، من أوسع أبواب الرؤية، وأمست إحدى شواهد الوهج الحضاري المتنامي في أصقاع وطننا المترامي.
الرياضة لدينا تظل دومًا مشتعلة رغم انتهاء موسمها، حيث لا ينفك متابعوها يصهلون ويغردون ويتنافسون في الصالونات والاستراحات والمجالس والبرامج الرياضية، وعبر الفضاء، وخلال كيابل الإنترنت.
الرياضة لدينا أضحت احترافًا وثقافة ومهنة، ومصدر رزق وأضواء، وبيع وشراء، وسلكت طريق المنافسة مع باقي منتجات الحضارة، ومصادر الدخل، واخترقت أسواق الأسهم الرائجة.
لهذا نرى أن الرياضة تختصر الطرق الطويلة، وتختزل المعاناة لمن يهواها ويتخصص بها ويحترفها، مثل باقي التخصصات والتوجهات والعلوم المختلفة، وكما لهذهِ تفرعات، فإن للرياضة مثلها كذلك، بل ربما أكثر حين تكون عاملًا مهمًا، إعلاميًا واقتصاديًا وحضاريًا، وخلافه.
هنا علينا أن نشير للضرورة والأهمية إلى مواردنا المحلية من اللاعبين "إن صح التعبير" والذين أضحوا ممتهنين للرياضة، مختصين في ألعابها المحببة، محترفين فيها مثل معظم دول العالم التي جعلت احتراف الرياضات موردًا من موارد النماء الاقتصادي، والمداخيل القومية.
ففي عالم الاحتراف ليس هناك سوى حقيقة واحدة، والتي تقول بأن التميز هو مؤشر النجاح، والنجاح هو الطريق للتفوق والذي يعقبه الوصول للأهداف. وهذا ما يضع اللاعبين في خاناتهم المستحَقة، ويثبت أقدامهم، فيحصدون ويشتهرون، وترتفع أسهمهم، والرغبة في اقتناصهم من قبل الأندية الأخرى، مما يرفع مؤشراتهم القيمية في أسواق المميزين.
غير أن عليهم حقوق مثل ما هي لهم، وتتابعهم مؤشرات تقييمية في المجال، كلما ارتفعت زادت قيمهم، وكلما نقصت نزلت قيمهم الفنية والمادية. وبين هذا وذلك هنالك العمر الافتراضي للبقاء في الملاعب، سواء أكان حقيقيًا، أو بيولوجيًا، والذي يعني أن بعض اللاعبين يتعدون المعدل المتعارف عليه، فيستمرون بذات العطاء والجهد البدني لبعض السنوات نظرًا لاهتمامهم بصحتهم، قبل أن تخور قواهم، وتخونهم مهاراتهم وإمكانياتهم البدنية والذهنية.
من هنا، ومن قبل هذا، لابد من اتباع اللوائح والأنظمة الملزمة لطرفي المعادلة، وبوضوح وشفافية ودون مواربة، وبما يكفل حقوق الطرفين، تمامًا كما يتم مع المحترفين الأجانب، وإن تباينت البنود في الحالتين.
ولذا نقول كما أن للنادي الفلاني الحق مثلًا وابتداءً في بقاء لاعبيه في ناديهم وفق المعادلة النظامية ، فإن للاعب الحق أيضًا في اتخاذ ما يراه وفق ذلك أيضًا، وبما تمليه مصلحته، ويكفل حق ناديه الذي احتضنه من البداية إلى لحظة ما وصل إليه.
وإننا هنا نتطرق لما لا نراهُ حاصلًا في أنديتنا، سوى في حالات نادرة بلعبة كرة القدم فقط، وهو الاستغناء عن اللاعبين المحليين لأسباب مختلفة تحددها معايير الكفاءة، وتنتهي إما بالاعتزال، أو عدم تجديد عقود بعضهم، أو عرضهم على الأندية الأخرى، لأسباب مختلفة، تحددها التقارير الفنية والإدارية للمنشأة الرياضية المعنية، وهي لن تخلو مما ذكرنا آنفًا من أسباب، إضافة للمنفعة وللرؤية الفنية التي يفصلها المدربون، وأسباب أخرى ربما تحدث خلال فترة التعاقد.
وبينما ذلك لا يحدث من الإدارات، نرى خلافه يحدث من اللاعبين أنفسهم، إما بطلب الانتقال أو فسخ العقود أو المساومة، أو طلب عدم التجديد لهم مع أنديتهم، وهو ما تستجيب له الأندية عادة في أغلب الحالات إذا لم تلبِ مطالبهم.
من هنا نحن نتساءل: ألا يحق للأندية الاستغناء عن اللاعب المحلي؟ أو فسخ عقده أو عدم التجديد له مثلما يفعل هو أو هم؟ لأننا فعلًا وكما قلنا لم نر حالة واحدة حدثت في الألعاب الجماعية الأخرى كلها تقريبًا عدا القدم.
ما نراه هو أن الأندية وبناء على مصلحتها يحق لها ذلك، بعيدًا عن الاعتبارات الشخصية، وكون فلان ابن النادي وخلاف ذلك من الأسباب التي لا تستقيم والمصلحة العامة، وأن المعتمد هنا هو أن البقاء للأفضل والأصلح، خاصة إذا ما كان هذا النادي أو ذاك من المميزين في بعض الألعاب، ويخوض فيها مباريات تنافسية شرسة تحتاج لاعبين جاهزين فنيًا وبدنيًا وذهنيًا وعلى أكمل وجه.
التاريخ لا يرحم، ومن الأفضل لبعض اللاعبين الذين يحبون أنديتهم ورياضتهم ولعبتهم وضحّوا كثيرًا أن يحافظوا على رصيدهم، ويفسحوا الطريق أمام الأجيال القادمة، والذين يواكبون التغيير، وهم خير من يمثلون أنديتهم، وعلى إداراتهم أن تقدم وبكل شجاعة على تمكينهم وتقديمهم للملاعب، ويخلفوا غيرهم ممن أدى ما عليه، ويشكروا من قبلهم بالتراضي والوفاق والعناق، ودون فراق أخير، لأن الكبار أماكنهم تظل محفوظة في القلوب، والمجالات مفتوحة لخدمة الأندية متى ما أرادوا ذلك، كلٌ في المكان الذي يناسبه. والسلام.



