كان يُؤمن أن الجلوس مع كبار السن له قيمة كبيرة، وإن كانوا غير مُتعلمين، فإنه يرى أن الحياة أكبر معلم للإنسان، وتُعطيه الخبرة.
ذات يوم كان جالسًا مع جاره الحاج عيسى، والذي يجلس نهار كل يوم عند باب منزلهم بين الزرع الذي يُحيط به.
يأنس بالأجواء، ويتحدث مع المارين الذين يُلقون عليه التحية، وحيث إن البعض منهم يجلس معه لبرهة من الوقت، يتجاذبون أطراف الحديث.
تفوح لهذا الوقت رائحة الأنس عبر تبادل الأحاديث.
سكب أحمد القهوة إلى الحاج عيسى، وجلس بقربه، أخذ يتأمل ملامحه التي طوتها السنون، عيناه صغيرتان، وفي جبينه تجاعيد تتكئ على الصبر الذي واجه به ضنك الحياة.
أخبره، والابتسامة تشرق في زوايا رُوحه: لقد علمتني الحياة أن قضاء حاجات الناس يأتي من السبل التي تكون سببًا في قضاء حاجاتك، هذا بالإضافة إلى كونها تمنح الإنسان الراحة والطمأنينة، وتفتح بوجهه السعادة المُفعمة، كمرآة الوجود.
هل تعلم بُني أن ما تشعر به حين تُبهج إنسانًا، يُعاني أمرًا أشبعه الأسى أن تُعيد رسم الابتسامة على شفتيه، أن تبعث الأمل في حياته مُجددًا، أن تُطعم أبناءه، أن تروي ظمأ الأيام في أعينهم، أنت من سيبتهج بذلك.
وبعد أن قضى الوقت مع الحاج عيسى، والذي أغدق عليه بهذا الغيث الإنساني في رُوحه، كانت خُطوات أحمد تتجه إلى حيث الأسرة اليتيمة، والتي أوصاه بها والده قبل وفاته، وذلك بأن يطل عليهم كل حين، ولا يتوانى عن مُساعدتهم، وتقديم العون لهم.
فارق والده الحياة قبل هذه اللحظات بشهر، كانت ثلاثون يومًا، كفراق الأمل ذات بُؤس، حينها تغير أحمد كثيرًا، أصبح يُعيد مواقفه في كل لحظة، يُصغي إلى كلماته، كلما سافرت رُوحه إلى ضفتيه اشتياقًا، إلى حيث يرقد الآن، يستنطق التراب، ويُبصر الأشياء بعينيه.
كان والده رفيق الحاج عيسى مُنذ صغره، ودائمًا ما كان يُحدث ابنه عنه، ولا يخلو حديثهما عن حثه ألا يترك زيارته، حتى إن تمكن الموت منه، فإنه يُمثل المرآة الصافية، والتي تأخذ بيديه إلى النقاء الإنساني، وأنه استفاد منه كثيرًا خلال كل السنوات التي كان برفقته.
استرجع أحمد كلمة والده في صباح اليوم الذي فارقت رُوحه الحياة، وهو يقدم النصيحة إليه، مُتأملًا: بُني إن الحاج عيسى هو الإنسان الذي يُرتب لك الماضي في لغتك وفكرك، ويُهديك ما تُضفيه البساتين الخضراء من عبق أنفاسها، يُلبسك الإحساس بالآخر، كأنت فيه.
كانت يداه ترتعشان، وهي تحتضن مقبض الباب مُودعًا هذه الأسرة، والطفل حسين اليتيم مُتعلق بأحضانه، وأحمد يمسح على رأسه، وكأن والده الآن يمسح على رأسه، هي ذات اليد التي تمسح على رأس حسين، أيضًا تمسح على رأس أحمد.
إنه الإحساس الذي شعر به أحمد، فأغمض عينيه؛ ليعيش هذا الإحساس بكل جوارحه.



