12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

سَفرة إلى الماضي «الجميل»!

أكتب لك هذه الصور - من جزيرة تاروت. صور رأتها عيني واختزنتهَا ذاكرتي مباشرة. لم يروِها فلانٌ عن فلان! قد تجد فيها مشاهد سلبية؛ لذلك يجب علي أن أضع مقدمة لهذه المشاهد.

مقدمة:
نفخر كثيرًا عندما أبدع الناس في ذلك الزمان، حيث أنقذهم الله بركوب البحر الذي ركبوه بين أهوال مدّ وجزر، عاشوا به وماتوا فيه. أنقذهم الله ببعض الزرع والنخيل التي عرفوا كيف يأكلون من رطبها ويدخرون من تمورها ويستعملون كل جزء منها في بناء بيوتهم ومنافعهم، أبدعوا دون أدوات. أليس رائعًا أن يبدعوا بالرغم من صعوبة الحياة وضنك العيش؟! من الضروري أن يستمر الجيل الحاضر في السير في طريق الإبداع والتميز.

زيارة واحدة لجارنا الفاكهاني الذي يمتلئ دكانه الرحب بأطباق البيض وسلال الفاكهة الشهية الطرية والأعشاب تجعلني أحزن وأدعو الله أن يعوض أسلافي الذين عاشوا في جزيرة تاروت في الزمن 'الجميل" خيرًا بدلًا من معاناتهم وصبرهم وقلة راحتهم.

يمتلئ دكان جارنا بأطباق البيض، خذ ما شئت. في الزمن الجميل كان رجل يطوف بين البيوت المصنوعة من جريد النخيل، يصيح بأعلى صوته: من عنده بيض؟ من عنده بيض؟ يقضي صباحًا كاملًا يبحث عن بيضة أو بيضتين؟ بعده بقليل يمر بائع البقل على حمارته: من يريد بقلًا، رويدًا، أو حندبان؟ جيوبهم خالية وهو يريد منهم أن يشتروا البقل؟

يتعب مكاري الحمار ويريد أن يغسل بدنه في الحمام العام - حمام تاروت. ينزع إزاره ويغسل جسده عاريًا بين الناس كما خلقه الله سبحانه وتعالى. ليس حبًّا في التعري إنما هو لا يملك سوى إزار. 

الصبية ليسوا أحسن حالًا! هم أيضًا يسبحون عراة. أما الصبيات والنسوة فحدث ولا حرج عن أحمال الملابس المتسخة والأواني، يغسلنها في العيون لأن لا ماء في الدار يغسلن به أجسادهنّ ولا الملابس المتسخة أو الأواني!

فصل الصيف دون مبرد هواء، دون حافظة طعام، دون سيارة بمكيف هواء، دون دكان تشتري منه ما تحتاج، زمن جميل دون ضوء تقرأ أو تكتب فيه درس المدرسة! يأكل البعوض قسطًا من جسمك الضعيف كل ليلة ويسطو الذباب على طعامك، لا تستطيع له دفعًا!

نخيلات وبعض البساتين يشقى فيها الفلاح سنة كاملة لعله يوفر أو لا يوفر مؤونة الشتاء من تمر لا تأكله الحيوانات في هذا الزمان! 

يعني لا شيء جميل؟ كل زمن فيه وفيه! الصورة القديمة خداعة لأنها تحمل دلالة انتهاء الزمن وانتفاء الخوف من الماضي. كما لا تحمل شعور الخوف من الحاضر وترقب المستقبل! لم يوجد أغنياء؟ في كل زمان يوجد أغنياء، لكن الفقر كان حاضرًا بقوة!

أنت متحامل كثيرًا! بعض المشاهد لا يمكن كتابتها لفظاعتها، ما كلّ ما يعرف يقال، فحيثما يكون الفقر يكون الجهل أيضًا ويكون الجوع والمرض! يفقد الزمن جماله عندما تتلوى فيه النفوس جوعًا. تتحجر المعرفة ويتحكم الجهل في العقل مع الفقر. 

كل ذلك كان في "الزمن الجميل". أما اليوم فنشكر الله سبحانه وتعالى على تطور الاقتصاد والصحة والتعليم والمواصلات. نسبة الأمية تساوي صفرًا، كم كانت في "الزمن الجميل" بين الرجال فضلًا عن النساء؟ كم نوعًا من المرض انتشر في ذلك الزمان وانتهى الآن؟ مع ذلك تبقى جزيرة تاروت تاريخًا وحضارة.

هكذا كان حال الأغلب الأعمّ من الناس في جزيرة تاروت وغيرها! كلمتان تختصران المسافة بين الماضي والحاضر: الحمد لله!

"أَنْتَ الَّذِي رَزَقْتَ أَنْتَ الَّذِي وَفَّقْتَ أَنْتَ الَّذِي أَعْطَيْتَ أَنْتَ الَّذِي أَغْنَيْتَ أَنْتَ الَّذِي أَقْنَيْتَ أَنْتَ الَّذِي آوَيْتَ أَنْتَ الَّذِي كَفَيْتَ". إذا أنت من جيلي تذكر ذلك التاريخ والزمان جيدًا! الزمن "الجميل" الذي لم تعرف النسوة فيه إلا القليل من الحلي والحلل ولم تعرف فيه الرجال سوى التعب والشقاء! 

شتّان ما يومى على كورها * ويوم حيان أخي جابرِ
أرمي بها البيداءَ إذ هجرت * وأنت بين القرو والعاصرِ
في مجدل شيد بنيانه * يزلّ عنه ظفرُ الطائرِ


error: المحتوي محمي