إن الصداقة بحر عميق لا يستطيع سبر أغواره إلا من ترسّب في الأعماق وعاش فيه، والصداقة الحقيقية كنز من كنوز الحياة المخفية في الوجدان الداخلي، ومفتاحها يحتاج المحافظة الدائمة عليه كي لا يضيع أو ينكسر.
فكم من صداقات عميقة انتهت بمجرد أشياء تافهة!
فالصداقه معدن أصيل إذا تأصل في الجذور بدون نفع مصلحي، جاء بثماره مع الزمن.
وجاء العيد بدونهم… أمي وأمك يا صديقتي، وما زالت الدموع لم تنشف بعد.
يوم عرفة، بعد أن انتهينا من الأعمال، اتصلت بي أختي فتحية وقالت: سوف أمرّ عليك مع ابنتي آمنة كي نذهب إلى المقبرة حتى نزور أمي ونقرأ لها زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) وبعض السور القرآنية.
وكالعادة، عندما ندخل من البوابة الشمالية الكبيرة، نبدأ بأبي وأعمامي وجدتي ليلى، لكن عند أبي أجلس أكثر وأسولف معه، وأقول له: أنت مع أمي بكيتما عليّ قبل رحيلكما، وخفتما عليّ، لا أعلم ما الذي كان ينتابكما من وحدتي ووحشتي، وإني لا أعرف لماذا اخت منكم براءة الذمة، لكنكما لم تقصّرا… قلتما لي: “مبرية الذمة”، فاعتبرتها وسامًا ورخصة لي في هذه الحياة التي صرت أعيشها في أيامي ولياليّ.
بعد أن انتهيت من زيارته، صادفت في طريقي قبور بعض الأهل والأحبة، فقرأت عندهم بعض السور القصار، وتوجّهت لأمي، وكالعادة يكون عندها محط الرحال والمكوث الأطول.
عندما وصلت، تفاجأت بعائلة عبدالعظيم - أي أهل صديقتي نازك - بالقرب من قبر أمي. اقتربت، فإذا قبرها قرب قبر أمي من جهة الأرجل!
هنا بدأ البكاء، كأن أمي لتوها ماتت…
عندما ذهبت للفاتحة من أجل تعظيم الأجر لهم، قالت لي إكرام: “تونا مخلفين عليش، جيتي اليوم تخلفي علينا، ترى أمش قريبة من أمي”.
لكني لم أتخيل هذا القرب! حتى أختي فتحية قالت: “جارتها في الدنيا وجارتها في الآخرة”، لأننا عندما كنا في الديرة كانوا جيراننا، لكننا انتقلنا عنهم ونحن صغار في العمر، ولم أذكر شيئًا عنهم، ولم تبدأ علاقتي بهم إلا كما كُتب في المقال الأول.
وبعد التعازي الحارة بيننا، خرجت من المقبرة أمشي لوحدي وأنا أقول: رحمكم الله…
ماذا أقول، وماذا أكتب عنكِ يا أم محمد؟
كنتِ إنسانة هادئة، بسيطة، منشغلة ببيتكِ وعائلتكِ، لم تتضايقي مني لكثرة تواجدي عندكم، بل كنتِ لي مثل الأم.
أذكر أن أغلب العصاري كنتِ تعملين لنا شايًا، ونجلس كلنا نشرب الشاي معًا ونسفسف الحب، وتأخذنا السوالف والنكت.
وإذا مضى كم يوم لم أذهب لكم، كنتِ مع أم زوجكِ السيدة نجيبة تسألين نازك وتقولين: “بت شلي كم يوم ما جت؟”، طبعًا نازك لا تخبرني، بل تقول لي في اليوم الثاني إذا جئتِ.
وهذه ذكريات… فيض من غيض، لكنها تبقى جميلة وراسخة في الذاكرة.
ختامًا أقول:
إن الصداقة بحر، تجري عليه زوارق المحبة، شراعها الصدق والوفاء والإخلاص.
رحمهم الله جميعًا،
وعيدكم مبارك، وكل عام وأنتم بخير.
فكم من صداقات عميقة انتهت بمجرد أشياء تافهة!
فالصداقه معدن أصيل إذا تأصل في الجذور بدون نفع مصلحي، جاء بثماره مع الزمن.
وجاء العيد بدونهم… أمي وأمك يا صديقتي، وما زالت الدموع لم تنشف بعد.
يوم عرفة، بعد أن انتهينا من الأعمال، اتصلت بي أختي فتحية وقالت: سوف أمرّ عليك مع ابنتي آمنة كي نذهب إلى المقبرة حتى نزور أمي ونقرأ لها زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) وبعض السور القرآنية.
وكالعادة، عندما ندخل من البوابة الشمالية الكبيرة، نبدأ بأبي وأعمامي وجدتي ليلى، لكن عند أبي أجلس أكثر وأسولف معه، وأقول له: أنت مع أمي بكيتما عليّ قبل رحيلكما، وخفتما عليّ، لا أعلم ما الذي كان ينتابكما من وحدتي ووحشتي، وإني لا أعرف لماذا اخت منكم براءة الذمة، لكنكما لم تقصّرا… قلتما لي: “مبرية الذمة”، فاعتبرتها وسامًا ورخصة لي في هذه الحياة التي صرت أعيشها في أيامي ولياليّ.
بعد أن انتهيت من زيارته، صادفت في طريقي قبور بعض الأهل والأحبة، فقرأت عندهم بعض السور القصار، وتوجّهت لأمي، وكالعادة يكون عندها محط الرحال والمكوث الأطول.
عندما وصلت، تفاجأت بعائلة عبدالعظيم - أي أهل صديقتي نازك - بالقرب من قبر أمي. اقتربت، فإذا قبرها قرب قبر أمي من جهة الأرجل!
هنا بدأ البكاء، كأن أمي لتوها ماتت…
عندما ذهبت للفاتحة من أجل تعظيم الأجر لهم، قالت لي إكرام: “تونا مخلفين عليش، جيتي اليوم تخلفي علينا، ترى أمش قريبة من أمي”.
لكني لم أتخيل هذا القرب! حتى أختي فتحية قالت: “جارتها في الدنيا وجارتها في الآخرة”، لأننا عندما كنا في الديرة كانوا جيراننا، لكننا انتقلنا عنهم ونحن صغار في العمر، ولم أذكر شيئًا عنهم، ولم تبدأ علاقتي بهم إلا كما كُتب في المقال الأول.
وبعد التعازي الحارة بيننا، خرجت من المقبرة أمشي لوحدي وأنا أقول: رحمكم الله…
ماذا أقول، وماذا أكتب عنكِ يا أم محمد؟
كنتِ إنسانة هادئة، بسيطة، منشغلة ببيتكِ وعائلتكِ، لم تتضايقي مني لكثرة تواجدي عندكم، بل كنتِ لي مثل الأم.
أذكر أن أغلب العصاري كنتِ تعملين لنا شايًا، ونجلس كلنا نشرب الشاي معًا ونسفسف الحب، وتأخذنا السوالف والنكت.
وإذا مضى كم يوم لم أذهب لكم، كنتِ مع أم زوجكِ السيدة نجيبة تسألين نازك وتقولين: “بت شلي كم يوم ما جت؟”، طبعًا نازك لا تخبرني، بل تقول لي في اليوم الثاني إذا جئتِ.
وهذه ذكريات… فيض من غيض، لكنها تبقى جميلة وراسخة في الذاكرة.
ختامًا أقول:
إن الصداقة بحر، تجري عليه زوارق المحبة، شراعها الصدق والوفاء والإخلاص.
رحمهم الله جميعًا،
وعيدكم مبارك، وكل عام وأنتم بخير.



