في عرفات،
تصير الأرض أوسع مما نعرف،
وتنخفض السماء حتى تظنها تلامس القلب،
وينفتح بين الإنسان وحقيقته باب لم يُفتح من قبل.
عرفة ليست صعيدًا من تراب،
إنها مرآة كونية مائلة نحو السماء،
تعكس صورتك كما هي:
عاريةً من الألقاب،
خاليةً من الأماني،
مجرّدةً من الزهو والخوف.
⸻
كل من وقف في عرفة،
كأنه وقف على تخوم البدء،
على الحافة الأولى للخليقة،
حيث يستعيد الإنسان نسغ النشأة القديمة،
ويسأل:
من أنا؟
ومن أكون لو نزعت عني ما ألبسته الأيام من أسماء وذنوب وأحلام؟
في عرفات،
نتخلى عن وهم الامتلاك،
نأتي حفاةً إلا من قلوبنا المرتجفة،
ونرفع أكفنا نحو سماء بلا نهاية،
كأننا نستجدي الرحمة من رحم الغيب.
هناك، في الصدى البعيد،
تتردد التلبية القديمة:
لبيك اللهم لبيك،
لبيك لا شريك لك لبيك.
نلبي لا بأصواتنا فقط،
بل بانمحائنا،
بذوبان الحرف في المعنى،
بخضوع الخلق للخلق،
وخضوع الكل للواحد الأحد.
في عرفة،
يتجلى سر الاجتماع العظيم:
الكل واحد،
الملوك والفقراء، العلماء والجهلة، السادة والعبيد —
لا فرق إلا بقلبٍ ينحني،
وروحٍ تصعد خفيفةً إلى المطلق.
كأننا في بروفة صامتة ليوم أعظم،
يوم لا نسب فيه إلا التقوى،
ولا زاد فيه إلا الصدق.
من وقف في عرفة،
ذاب وجهه في الطين،
وارتفعت روحه إلى مقامٍ لا يُرى،
لكأنه يهمس بلا صوت:
“رجعت إليك خاليًا إلا منك،
طامعًا فيك وحدك،
فلا تردني عن بابك مخذولًا.”
هناك،
تسقط اللغة،
وتبقى المناجاة:
صمتٌ يفيض بكل ما عجزت عنه الكلمات،
بكاءٌ بلا صوت،
وخوفٌ يسري في العروق،
كأن النبض صار دعاءً خفيًا لا ينقطع.
هناك،
تصير التلبية رجع أنفاس،
ويهمس القلب المنهك:
لبيك، لبيك،
إليك وحدك الرجوع.
وحين تميل الشمس نحو المغيب،
تغيب معها الوجوه،
وتذوب الأجساد في ظلالها الطويلة،
ولا يبقى إلا طيف:
طيف الغفران الخافت،
ذلك الذي لا يُرى،
لكن يُحس كرجفةٍ خفيفة في قاع القلب.
ينصرف الواقفون،
ولا ينصرف الدعاء،
ولا تنصرف الذكرى،
ولا ينصرف القلب العالق بين الأرض والسماء.
عرفة…
هو الدرس الأعظم:
أن الوقوف ليس للجسد وحده،
بل للروح التي تتجرد من كل قيد،
وتعود طفلةً ضائعةً بين يدي الله.
عرفة…
صورةٌ مصغّرة ليومٍ نلقى فيه الواحد القهار،
حفاة،
عرى،
خائفين،
موقنين أن لا مفرّ إلا إليه.
( كل الطرق تؤدي إلى عرفة…
وكل الأرواح التي عرفت الطريق،
لن تضلّه ثانية. )
وفي ختام الوقوف،
حين تخبو الأصوات،
وتسكن الحناجر،
يهمس القلب:
ها أنا، يا ربّ،
على حافة المسافة،
أمدّ يدي ولا شيء فيها.
أمدّ قلبي…
فيغمره بياض لا يُحتمل.
ها أنا، يا ربّ،
كظلٍّ مائل فوق رمل عرفة،
لا أملك إلا رجفةً خفيفة،
بين خوفٍ ورجاء.
ها أنا،
ألبيك بدمعتي،
ألبيك بانطفائي،
ألبيك بأنني نسيتني حين ذكرتك.
لبيك…
لبيك…
يا وحدتي الكبرى،
ويا سلامي الأخير.
(في مدارات عرفة: حيث يصبح الصمت صلاة، والدعاء ولادة أخرى، والإنسان ظلًا خفيفًا في حضرة البقاء.)



