نتفق على موعد ونصل له متأخرين ليس لازدحام الطريق فقط بل لأن التزامنا لم يكن كافيًا للخروج المسبق واحتساب وقت إضافي لعوائق الطريق.
نحجز لنا مواعيد وربما نصل قبلها ومع ذلك لا ندخلها بالوقت المحدد.
الوحيدة التي نحسب لها ألف حساب هي الطائرة لأنها لا تنتظر المتأخرين، حتى لو كانت غير مبرأة من تأخير ركابها لأن تكلفتها تعطيها ريشة على رأسها لتكون المعاملة لديها مختلفة.
ونحن بين متأخرين أو مُتأخر علينا، نمارس أنانيتنا تارة حين نكون متأخرين، ولا نسامح تارة أخرى من يتأخر علينا مهما كان عذره، فهناك أوقات ضائعة تستنزف في الانتظار وتخف وطأته إذا علمنا سبب التأخير، ولكن دون سبب سيأتي الغضب ويغطي على مقولة: كل غائب لديه عذره.
ولكن أن تتأخر مرة ربما تكون غير محسوبة عليك لكن أن يكون ديدنك التأخير وتكون معروفًا فيه وكأنه وصف يُضاف على هويتك بكثرة التأخير فهذا شيء يسلبك الثقة بك خاصة في أوقات يكون الوقت فيصلي التأثير.
كمثل من اختنق بشيء، أو غرق أو عرض له عارض مفاجئ بقلبه، فإذا لم يتم إسعافه بالوقت المناسب فربما ينجم عنه آثار قد تصل إلى فقدان الحياة لأن أربع دقائق كفيلة بحرق خلايا الدماغ وتلفها إذا لم يصلهم الأكسجين، فهل تتوقع أن تكون ضمن من ينقذ حياة إذا كنت بقائمة المتأخرين؟
هنا يجب أن يكون الدماغ والقلب لديهما تاج من الريش على رأسيهما لنولي لهم أهمية أعظم من موعد الطائرة وأستغرب ممن يشكوا من الصداع مثلًا لفترات طويلة لا يعطيه دقائق بالمستشفى ليرى هذا الإنذار ماذا يقول له؟
وكما نستعد للسفر من وقت مبكر ونحمل له كل وسائل الترفيه، علينا أن نرفه عقولنا وقلوبنا ليس باللعب وإعطائها أمورًا قشرية لا تعطيها أي نفع مطلق، بل إعطائها شيء ينمي الجذور.
من جهة أخرى التأخير لا يكون تأخيرًا بالحضور فقط حتى لو كان هناك من يمجد المتأخرين ويصفق لحضورهم، لكن حتى إنجاز الأعمال في العمل هو شيء تحاسب عليه كأن تتعطل معاملة شخص تعني له هذه المعاملة الكثير وأنت تؤجلها لحين يتحسن مزاجك لأدائها وربما يحتاج مزاجك لأيام وأسابيع حتى تفيق من سباتك لتعفو عنها وتنهيها بتوقيع وختم!
بالطبع مع التحول التقني قلل من هذا الأمر لكنه لايزال هناك جزء موجود يعتمد على هذه الفئة ممن يتلذذ بتأخير حق غيره.
في أحد المرات التي كنت أزور بها المشفى لعمل فحوصات شاملة لأني بالعادة أحب الاطمئنان على جسد تسكنه روحي لأرى أثر إهمالي أو عنايتي به، وربما كانت التحاليل كثيرة التي طلبتها أو كان وقتًا مزدحمًا بلطلبات لا أعلم لأن ممرضة المختبر بيّنت امتعاضها من كثرة التحاليل وأخرجتني وكأني طلبت شيئًا زائدًا عن حقي، فليست الفحوصات نجريها عند الشك بالمرض بل قبل أن يدق ناقوس خطره نكون نتنبه لأي مؤشر يحتاج التيقظ قبل أن ندخل بقائمة المرضى.
لهذا أستغرب حتى من بعض الأطباء حين تطلب منه إجراء أحد التحاليل يرفض ذلك وكأنه هو من سيقوم بالتحليل وليس عليه سوى تحديد التحليل ليكون ضمن مهام آخرين لعمله.
قصة واقعية مؤلمة أذكرها هنا روتها لي إحدى قريباتي ممن تدربت في إحدى المستشفيات بقسم الأشعة، والكل يعلم أن الأشعة وسيلة مساعدة في التشخيص وتتعدد أنواعها للحصول على دقة في التشخيص أكثر، تقول: كانت هناك مريضة أجرت أشعة ولاحظت الممرضة أن هناك شيئًا غريبًا في أشعتها وكانت تشك بأمر ما يحتاج إجراء آخر وربما أشعة أخرى للتأكد ولكن لأن المطلوب منها إجراء الأشعة فقط، فلم تعتنِ بنداء الإنسان الذي جاء لها وهو يحتاج المساعدة، وتركتها، ولكنها تُفاجأ بعد أيام أن ترى اسم نفس المريضة ضمن أسماء المتوفين فتندم لعدم عمل شيء يساعد حالتها للتحرك في إنقاذها، ولكن ندمها جاء للأسف متأخرًا في موعده.
هناك بعض التأخيرات لا عذر في تأخيرها كمن يؤخر حق أحد إلى حين تأتي لحظة وفاته ليتذكر ولا يعلم هل سيوفي الورثة الحق لأصحابه أم لا، وما عذره إذا كان صاحب الحق قد فارق الحياة وهو يطالبه بحق إلى يوم القيامة حتى لو سدده لورثته، فما هو تعويض حق التأخير؟
من يتأخر عن موعده ويعطل ترتيب جدول أعمال من ينتظره، كم سيدفع ثمن تأخيرهم؟
من يعطل أمرًا يتعلق بتأخير معيشة إنسان ورزقه، كم سيكتب بوصيته أن يُدفع له كتعويض لسلبه ماء وجهه في الطلب من هنا وهناك لتدارك تأخير حق رزقه؟
هناك أمور لا ينفع أن نقول فيها ليس مهمًّا أن تأتي متأخرًا فهي خير من ألا تأتي أبدًا، لأنك فيها ستتمنى أنك إن لم تأتي أبدًا كان أفضل لك.
فقط تذكر أنت متأخر في ماذا وعن من؟ وحاول الإجابة عن لماذا؟



