12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

أول الراحلين

لم تنطوِ تلك اللحظات والذكريات، ويُنسى ما فات من تفاصيل متجذرة في الذاكرة والوجدان. ليوم الثلاثاء.

26 شعبان 1446 هـ.
ليس كأي يومٍ آخر، مرّ على قلوبنا بحدثٍ مفجعٍ لا تتخطاه النفس، ولا يُغادر ألمهُ القلب.

مختلفٌ طقسه. شديد البرودة. رياح ذات صوتٍ لم تعتَده النفس، يحملُ شيئًا من الكآبة التي لا يُمكن أن يشعُر بها إلا من دخل قلبه شيءٌ من الألم أو الشعور بحدوث الفاجعة! 

شاحبةٌ الحياة في أعيننا، وتغص حناجرنا ألما. ترجف أصواتنا رهبة وتفيض مدامعنا أسى. نتوقف عن التنفس حتى نكاد نختنق من هول الفاجعة التي لا يمكن أن نستوعبها. لا تسع الأرض حزننا.

ذلك حالنا حين تلقينا خبر الرحيل. كم كانت تلك اللحظة قاسية على القلب. لما ليس تُدركه الريح من حزن القلوب! 

خرجتُ دون شعور، أترامى بين يدي ولدَيّ. قدماي لا تلامسان الأرض. كأني بين السماء والأرض، وحزن الكون كله بين عينيّ، وفي قلبي حسرة الفراق. دموعي تتحادر ولساني يتمتم حبيبي أبا مرتضى لا ترحل! أريد أخي. أغيبُ طويلًا عن الوعي. تزورني لحظتها قائمة الذكريات، عادت بين أضلاعي طفولتنا. أيا حبيبي لمَ هذه السرعة للرحيل؟ عُد، لم نرتوِ من حنان الأخوة بعد.

تسبق آهاتي آهاتٌ أخرى من أبناء الحبيب. آهٍ يا لوعة الفراق. هو الموت. سيرةُ ذِكرى عذابات القلوب. 

لا أدري لمن أشكو.
وما أشكو، لمن آل الكلام. ومن تُرى يروي غيابك عن الحياة. يا لسرعة اللحظات التي خطفك الموت فيها من بين أحبتك. تخترق الصدمة القلب لشدتها، عندما يؤتى بنعشك للوداع، أغيب مرةً أخرى عن الوعي؛ لتغيب عن عيني كل تفاصيل وداعك الأخير.

لم أحظ بتقبيلك وضمك، لم أشهد مراسم دفنك. آهٍ لهذا الفقد وهذا الرحيل! يا لقسوة الوقت الذي انقضى فيه تجهيزك ووداعك والصلاة عليك ومواراتك في ملحودة قبرك! لحظات ما أصعبها على القلوب التي سكنها حبك وودادك. وداعٌ يحمل الحزن والألم، دموعٌ وأسى، حسرةٌ وفراق، ونظراتٌ أخيرة ملؤها اليتم والانكسار على قبرك من أبنائك وإخوتك وأخواتك وأحبابك.

هنا. نترك العمر خلف الذكريات. كغصنَين، جذرُ حقيقتنا. أننا نشبه الحزن فينا. وتمضي أيامنا. لكن ما انتهى حزننا. بل ابتدأنا. نعيش الغياب مرةً أخرى بعد غياب الوالدين! لتكون أول الراحلين.

أبا مرتضى. رحيلك عنا قد أحرق منا الجفون وأذاب الفؤاد. قد أصبحت دنيانا يعمّها الظلام. سلام على روحك ونظرات عينيك، ولمسات يديك، وقُبلات شفتيك، وكلامُ لسانك، وتعاطف قلبك ونبضك، سلام عليك مُقيمًا في الفؤاد وبين الضلوع. سلامًا على الأخوة حيثُ اجتمعنا ليالي الخميس. وأنت دونك لا تُستعادُ.

هنا. كُن معي نتقصّى الزمان البعيد. نطلُّ على باب الذكريات لأيام الطفولة بين أحضان الوالدين. ننادي على الأمس منا إلينا عُد يا حنانًا غيّبته الأرض. فما عاد! فأين المُقام؟! 

أبا مرتضى. أنا الآن في حُزني. وأنت بعيدٌ مُرتحِل إلى دار السلام أريدك ألا تكون بعيدًا فلتبقَ هنا. ولتسكن روحك روحي ترافقنا الحكايا. كغصنين في سِدرة العمرِ مُذ نشأنا. كنت أنت القريب. رحلت جسدًا، لكن ستبقى حيًا في ذاكرتنا، ستظل قلوبنا تنبض حباً ووفاءً، وكلّما فاضت أرواحنا شوقًا لك سنرتّل القرآن ونقرأ الدعاء لروحك الطاهرة. أسأل الله العلي القدير رب العرش العظيم أن يجعل سكناك الفردوس الأعلى، وأن يرزقك مرافقة نبيه الكريم وآله وأن يجبر كسرنا. وأن يصبّرنا على فِراقك. نُحبك للأبد ولن ننسى يوم الثلاثاء الحزين! 1446/8/26هـ. رحم الله من قرأ سورة الفاتحة وأهدى ثوابها لروح الحاج المُعلّم حسين معتوق الجمعان.


error: المحتوي محمي