اخترتُ تاء التأنيث وكان بإمكاني اختيار رجل! لا فرق، كلهم يتصارعون ويتعاركون في ملء الفضاء بالخير والشرّ، أيهم يفوز بنصيب أكبر من أدمغتنا وعقولنا!
أنهت الستّ سنوات الدراسة الثانوية وقررت أنها لا ترغب في متابعة التعليم، لانها شبه متأكدة من عدم نجاحها في الدراسة الجامعية.
شحّ في طالبي الزواج فملّت الجلوسَ في البيت وأخذت تبحث في قاموس الوظائف المريحة. وجدت وظيفة ذات عنوان ملفت! إنفلونسر! ولأنها أنثى صارت تسمي نفسها "إنفلونسرة". اشترت ملابس أنيقة وهاتفًا ذكيًّا وتأكدت من تحميل التطبيقات اللازمة، تطبيق 1، 2، 3؛ التطبيقات التي يستخدمها "الإنفلونسرز" واشتركت في التطبيقات.
بدأت بالكلام ونشر الصور عن حشو الكوسا والباذنجان وتقطيع الطماطم والبصل والكراث. شيئًا فشيئًا كثر عدد المتابعين، دخلت في الدين، في الطب، في الفلسفة، الهندسة، السياسة، لم تدع مهنةً إلا ودخلت فيها، تحشو عقول الناس بالفوضى والترّهات، ومع ذلك يزداد أعداد المتابعين. تسألها ماذا تعملين؟ تقول: وظيفتي "إنفلونسرة"!
كلمة رأس: "إنفلونسر" كلمة من المصطلحات الشائعة على مواقع التواصل الاجتماعي وهي مأخوذة من الكلمة اللاتينية influencer وتعني "المؤثر" وهو شخص أو شيء يؤثر على الآخرين كأن يكونَ رائدًا في الفنون ومؤثرًا كبيرًا في الذوق العام، أو شخصًا لديه القدرة على التأثير على المشترين المحتملين لمنتج أو خدمة من خلال الترويج لها أو التوصية بها على وسائل التواصل الاجتماعي.
مهنة تحتاج إلى معرفة وصدق وأمانة لأن الهدف الرئيس من المهنة حشو الرؤوس بالمعارف الصحيحة والمفيدة وهو عمل صعب؛ عمل يحاسب عليه الله سبحانه وتعالى.
أخي -وأختي- المتابع لبعض المؤثرين: لا فراغ في الكون فإذا وجد شخصٌ رأسي فارغًا سوف يحشو رأسي بما يريد وليس بما يريد الله سبحانه وتعالى إلا إذا كان أمينًا وعارفًا! الأنبياء أعظم المؤثرين بالخير في البشر على مدى التاريخ وكلما كان "المؤثر" أقرب إلى الأنبياء -في الصدق والأمانة- كان اتبّاعه أفضل.
نظرة واحدة وتعرف حجم الهراء والكلام غير الخاضع للمنطق الذي ينتشر في فضاء وسائل التواصل! لا تفهمني خطأ، من المؤثرين من يستحق صفعةً على قفاه، ومنهم من يستحق التصفيق والإعجاب والتكريم، إنما علينا نحن أن نفرق بين الغثّ والثمين. نَاصِحٌ أَمِينٌ! هكذا وصف هودٌ عليه السلام نفسه! صفة تعني الصدق والإخلاص في النصيحة، وهي قيمة مهمّة في كل مؤثّر ومصلح.
تحية للذين يقومون بدورٍ بناء، يحترم العقل ويرفع القيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ونصيحة للذين يشدّون الناسَ إلى الأرض: التأثير مسؤولية إنسانية ودينية! ليس الغرض منها الدخل المادي أو أعداد المتابعين أو الكمّ الكبير من التعليقات! الغرض الرئيس والحقيقي منها وجه الله سبحانه وتعالى.
نسمع، نفكر، نناقش ونجادل. عقولنا أجمل ما خلق الله سبحانه وتعالى أمانة لدينا، لا نعطيها لأيّ كان يعبث بها. كرمنا الله بالعقل، به يثيبنا وبه يعاقبنَا.



