منذ بداياتها، اعتادت «القطيف اليوم» في بعض الأحيان، على استقبال عدد من الرسائل العاجلة من أهالٍ يطلبون المساعدة في العثور على أطفالهم الذين خرجوا من المنزل أو غافلوهم في مكان ما فجأة ودون سابق إنذار.
كانت بعض تلك الحالات لأطفال يعانون من اضطراب طيف التوحّد، وبعضها لأطفال آخرين لا يعانون من أي اضطراب، وفي كل الحالات، كان القلق مشتركًا، والخوف واحدًا، والتجاوب واجبًا إنسانيًا لا يمكن تجاهله.
من المألوف أن يغيب طفل عن نظر والديه للحظات، فيخرج لزيارة الجيران أو اللعب مع الأصدقاء، دون أن يُبلغ أحدًا، هذه مواقف نمرّ بها جميعًا كأسر، لكن حين يكون الطفل في حاجة إلى رعاية خاصة، فإن كل دقيقة تمضي تُثقل القلب وترفع منسوب القلق.
أتذكّر جيدًا حالة من تلك الحالات، تكرّرت كثيرًا حتى أصبحت مألوفة لدينا في «القطيف اليوم»، كان طفلًا صغيرًا، كلما واتته الفرصة غافل ذويه وخرج من المنزل، فتنهال علينا الرسائل والاتصالات لنشر إعلان بحث عنه، كنا نتحرّك بسرعة، وننشر النداء، وننتظر التفاعل الذي كان غالبًا ما ينتهي بطمأنة مؤقتة.
في إحدى المرات، تحدثت مع أحد أقاربه وطرحت فكرة استخدام أجهزة التتبع الذكي، مثل الساعات التي تُرتدى باليد، كانت الفكرة مقبولة، لكن التنفيذ واجه صعوبات، فربما كان الطفل يرفض ارتداء أي شيء، أو ربما لم تكن التقنيات حينها مهيأة كما هي اليوم، التفاصيل الآن لا أذكرها تمامًا، لكن ما أتذكّره بدقة هو شعور العجز.
ثم جاءت اللحظة التي لم نكن نتمناها، خرج الطفل ذات يوم كما كان يفعل دائمًا، ولم يعُد، وبعد ساعات طويلة من البحث، جاءنا الخبر الصادم، وُجد وقد فارق الحياة.
لا يمكنني أن أصف وقع ذلك الخبر، ولا أملك اليوم أن أقول شيئًا سوى ساعد الله قلب والديه، لم يكن هناك تقصير واضح من أحد، لم يكن هناك أحد يستحق اللوم، حتى نحن، الذين لم نكن سوى حلقة وسيطة في جهود البحث، شعرنا أننا خذلناه أو خذلنا أنفسنا بعدم القدرة على منعه من ذلك، لكن هذه مشيئة الله.
ربما لم تكن وفاته بسبب خروجه، وربما كانت لأسباب صحية أخرى واجهته وهو خارج المنزل، وتسببت في وفاته بطريقة أو أخرى، لكن التفاصيل لا تُخفف من وطأة الموقف، فما بقي في الذاكرة هو شعور الفقد، وصورة طفل تسلل من منزله في غفلة، ولم يعُد.
كثيرون سيعلّقون اليوم من بعيد، ويقولون كان يجب فعل كذا، أو لماذا لم يحدث كذا، وهذا سهل بعد وقوع الأمر، أما الحقيقة، فهي أن الواقع دائمًا أكثر تعقيدًا من النصائح، وأكثر قسوة من التنظير.
الجميل أن حالات بلاغات الخروج المفاجئ من المنزل لهذه الفئة، تراجعت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، ربما بفضل الوعي المجتمعي، وتطوّر تقنيات التتبع، وتقدّم البرامج التعليمية لهذه الفئة الغالية في وطننا، لكن تلك الحادثة ستظل حاضرة في ذاكرتي درسًا لن يُمحى وتجربة إنسانية لا تُنسى، فرحم الله ذلك الطفل، وألهم أهله الصبر، وأعاننا جميعًا على أداء أدوارنا كما ينبغي، دون أن ننتظر الندم.
وهنا، تبقى الحقيقة المؤلمة أن لحظات الفقد، خاصة حين تكون مباغتة، ليست مناسبة للوم أو اجترار ما كان يمكن فعله، فمهما بدت بعض الحوادث مألوفة كغرق طفل في بركة ماء أو خروجه من دون علم ذويه فإن وقعها على قلوب الأهل لا يُحتمل ولا يجب أن يُثقَل بمزيد من العتاب عبر كتابة تعليقات هنا وهناك في مواقع التواصل أو غيرها.
الوالدان في مثل هذه المواقف لا يحتاجان إلى نقد، بل إلى حضن المجتمع، ودعوات الصبر، وإدراك أن بعض الدروس في الحياة لا تُكتب بالحبر، بل تُحفر بالحزن، وكم من فقدٍ كان في حدّ ذاته أكبر النصائح، وأبلغ الرسائل، فلنكن رحماء حين تقع المآسي، ولنتجنّب تعميق الجراح التي بالكاد تُحتمل.



