12 , أكتوبر 2026

القطيف اليوم

بل وجدتك كلّي..

(من وحي عودة يوسف ليعقوب  وذكريات 2020)

بحرٌ متلاطمٌ لا ساحل له، عميقٌ لا غور له،  ومستطيل لا حدّ له؛ فكيف لي أن أصفه في كلمات وأحيط بكنهه في عبارات.. 

ذاك هو بحر الأبوة العظيم .. 

وحقاً إنّه الشعاع الوهاج الذي أودعه رب الأرباب نفوس الآباء، وذلك النسم العذبُ الذي تنسج منه اعذبُ النسمات، وأجملُ السمات .. 

وما أعظمها من رحمة تلك التي تتدفق من شلّال الأب الدافئ وتتفجر من ينابيعه العذبة..

أوتحسبون أني مبالغٌ لو أفضيت لكم عن غزير محبته ووفير شفقته لأبنائه وحفدته؛ برّوه أو عقوه.. وقروه أو هجروه.. وحفظوا حقه أو سلبوه وهو قطب الأسرة بل عماد المجتمع..

فليتني أملك من مشاعره ماء ورده لاّبللَ بها صحراء القلب المتحجر أو أصطفي من رياحينه وأزهاره  لأنثرها أشعة نور ملونة في صفحات سعادتكم في الحياة..

في تلك الليلة التي علمت فيها أن اللطيف الخبير قد نجّى ثمرة الفواد من حادث طريق سريع لم يتمالك قلبي من الخفقان ولساني من الذكر شكرا للرحمن المنان.. 

في ذاك المساء تذكرت النبي وسبطيه والوصي وشبليه والشهيد وولديه، فاقشعر للذكرى جلدي وجناني وخشع لها قلبي وأركاني ولم تتمالك الزهرتانِ من أن تجود بهاطل الدموع شفقة ورقة..

فما حال الأبوّة في أرواحنا -أيها الأحبة-  هذا اليوم؛  ونحن نعيش كلّنا القصة التي هزّت الأحاسيس الإنسانية السامية من أعماقها؛ فارتقت الأخوة وتجلّت الأمومة وتسامت الأبوة وذُرفت الدموعُ وتوهجتِ المشاعرُ في فرحةِ الوطنِ وبهجةِ الإنسان..

وليدٌ رضيعٌ يختطفُ من حضنِ أمّه الرؤوف، وكنفِ والدهِ العطوف، فيغدو مستلبا مغيبا مستترا، لا يُعْلمُ أي أرض تقلُّه، أو أي سماء تظلّه فينشأ ويترعرع، ولا يعود الاّ بعد سنوات قاسيات من ألم الترقب ومرارة الانتظار..

فلا ريب بعد ذلك أن يكون للأبوة الحضور الكبير والتجلي الخطير؛ فتقرَّ العيونُ ويستقر الجنان ويلهج اللسان بالحمد والشكر لله. 

وأنا ان تطفلت هنا محتفيا بالأبوة -أحبابي - فلست محدثكم عن غائبٍ عن الضمائرِ أو بعيدٍ عن البصائر؛ ولكنّما لأهمسَ في أُذنِ الآباء بشرفها الباذخ، ومقامها الشامخ، مذكراً أن هذا الجيل من الأبناء في عالمنا الحاضر أشد افتقارا للتربية على الإيمان وطاعة الرحمن من افتقاره لوقاية الجسد ورعاية الأبدان..

ولاذكر الأبناء بأن نعمة الأبوة أحق بالشكر  والاحتفاء والبر  ما كرّ الجديدان ومرّ المَلوان؛ والله جلّت قدرته يقول:

(وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)*
[سورة اﻹسراء 23 - 24]

وصلى الله على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..


error: المحتوي محمي